الأحد، 17 أبريل، 2011

غزة تعتذر أيها الجميل...

عذراً لم يعدّ هذا القلب يحتمل كل هذه الجبال, فالحزن أصبح يطفو فوق الماء كبقعة من الزيت, مازلتُ أحاول تخيل الحدث يا صديقي, مازلتُ أحاول أن لا أصدق, لأنّي تعبتُ من كُثر خيبات الأمل التي أصبحت تتوالى على جسدي كخنجر. واعتذر مرة أخرى أيها الرفيق فيتوريو فنحنُ مازلنا نتمسك بتلك العادة أن لا نُقدر الإنسان إلا بعد الموت, مازلنا لا نذكر الأعمال العظيمة إلا بعد الموت, لم تعش أكثر لترى غيمة الحزن التي أتت إلى غزة, وكأن أحداً من كبار قادتها قد قُتل, وأرى خلف الكواليس, أولئك الذين كانوا يسبّونك عندما كنتَ حيا, ويسيئون إليك وإلى دينك وإلى وشم حنظلة الذي تضعه, ومهم الآن يضعون صورتك على صفحاتهم, ويندهون باسمك!, وهناك أشخاص قد اتهموا الوطن نفسه بقتلك, فسبّوا الوطن من قلبهم, وعندما قرروا أن يعزوك, اختاروا مكاناً يجلس به الأشخاص لتناول الأرجيلة ووجبات الطعام!, همّ توقعوا أن خيمة عزائك يجب أن تكون فخمة, رغم أنّك كنت تسكن في أرقى وأجمل دول العالم إيطاليا, وقد تركتها لتسكن في غزة, المدينة التي لا يفارقها شبح الموت أبداً, لو أنهم يعرفون قلبك لأقاموه في الأحياء الشعبية, أو في الجندي المجهول, لأنه أخذ من قدمك ما أخذ وأنت تعتصم معنا لإنهاء الانقسام, وهي آخر مرة رأيتك فيها أيها الجميل.
هناك الكثير من الاعتذارات التي أعلم أنك لن تقبل أحدها, وأنك ستقول, عندما أتيت إلى هنا وقبلتُ تراب غزة لم أستبعد الموت أبداً, وعندما رافقتُ الصيادين المهددين بالموت في أي لحظة, لم استبعده أبداً, ليست مشكلتي مع الموت, بل مشكلتي مع القاتل, أن تتلقى طعنة في الظهر من المدينة التي أحبّتك حقاً, هذا أسوء ما يكون!
.
صديقي العزيز, إن موتك يفتح أزمة كبيرة جداً, ومشكلة في مجتمعاتنا الإسلامية, وهي الشذوذ الأخلاقي والإنساني, لأجل حور العين!, ونهور من الخمر, كم همّ أغبياء!, لا يعلمون أن من يملك قلباً ينبض يختار أن يعيش في النار إلى الأبد على أن يقتل شخصاً مثلك
.
عندما أرى صورك يصيبني هوسٌ, أهذا أنت؟ كيف قتلوك لأجل شخصٍ حقير, خان الوطن, وزنى في أمه, أنت الذي تركت البلد الذي يحلم بها أغلب شباب غزة, وأتيت لتعيش معهم, يكافئك بالتعذيب ثم القتل شنقاً؟, اعذرني أيها الصديق, لم تعد الحياة إلا مزيداً من الخيبات تتوالى علينا كزخات المطر
.
ربما لو قالوا لك أي الشهور تريد أن تموت فيه لاخترت نيسان, لأن الذي يملك قلب ينبض بالمحبة والعدل مثلك, يعشق زهر نيسان, كوردة أنت, لم يروك إلا بعد أن قطفوك ووضعوك في إناء فاخر, وقالوا لقد كان جميلاً ولكننا لم نراه!.
بكثير من الحزن سأودعك غداً في جنازتك التي ستخرج من مستشفى الشفاء, وسأغني لك الأغاني العربية التي كنت تحبها لمارسيل خليفة وأحمد قعبور وفيروز... بالأغاني تحيا يا صديقي, ولن أختار لك زهر البنفسج فهو زهر المحبطين, سأختار لك طوقاً من الياسمين لأشكرك نيابة عن غزة نفسها.

وداعاً يا صديقي, ستبقى في قلبنا حتى آخر العمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق