السبت، 24 مارس، 2012

هذا القلب اختاركِ

انتشر الإحساس الغريب مرةً أخرى منذ أن لاقيتكِ لأول مرة، ذلك الإحساس اللعين، الذي يجعلني أخشى نفسي آلاف المرات، لأنّي أعرف نفسي جيداً عندما أغضب وعندما أحب، لا أفكر أبداً، أفعل ما أحب أن أفعل!.
هناك الكثير من الحزن يحيط القلب، لأن الشموع التي تشتعل ستحرقنا حتماَ، هل عليّ أن أسقط من أعلى حتى أعرف ما يدور بالأسفل هناك في قلبك؟
تعبتُ يا جميلتي تعبتُ من الانتظار ومن الخيبات الكثيرات، ومن صوت الطائرات، ومن صوت صواريخ الطائرات، ومن صوت أنين قلبي في الليل، هل عليّ أن أشعل قلبي حتى أقيّ نفسي من البرد وعيونك؟.
لدي الكثير لأقوله، ولكنه يتخزن في قلبي كالماء في باطن أرض قاحلة، لدي الكثير من الحب في أرض لا تحمل إلى طعم الفراق، طعم نبيذِ لم ينضج بعد.
أعلم أنه لا يجب أن أتحدث بلغةٍ مبهمة، ربما الصمت أفضل!، ولستُ جباناً وأنتِ تعلمين.
مازلتِ كما أنتِ تبهريني بجمالك، تثيرين في دمي الجوع والحسرةَ في آن، ومازلتِ تثيرين غضبي كلما تحدثتِ عن رجل، أو كلما صافحتِ رجلاً غيري، من حقي أن أغار بصمتٍ، وليس من حقي أن أعترض!
أنتِ الوحيدة التي تفهمين، أنتِ الوحيدة التي تعرفين، أن هذا القلب لا يعرف إلا اسمك، ولا يستكين إلا لصوتك، ولا يغضب إلا بكلماتك المبعثرة. كلما رأيتكِ تذكرتُ أزهار اللّوزيات، بيضاء كعيونك، لأن عيناكِ كزهر اللّوز أو أبعد - ليس هناك ما يضاهي بياضَ عيناكِ غير زهر اللوز والقمر -
أقول كل هذا الكلام لتعملين فقط، أني أجن من مرّ عليكِ، أني مستعد أن أذهب معك إلى الشمس، أني لا أتردد أبداً معك، وإن أردتِ كنت صدى صوتك، وكأس مائك، ووشاحكِ لأحميكِ من كل شيءٍ، لا أؤمن أن هناك شيء لم يعد عدو لنا، ولهذا لنحترس قدر الإمكان، ولا نصمت!.
أريدك، هذا ما أتمنى، بكل ما فيكِ أريدك، كما أنتِ، لا أكبر ولا أصغر، لا أطول ولا أقصر، كما أنتِ ولا أهتم لكل الأشياء التي تفرقنا، فهي كالطلقة التي نسمع صوتها ونخافها، رغم أنها مرّت وتفجرت منذُ زمن!.

هل لي بطلبٍ أخير؟
أن تسمعيني أكثر، وتجلسي معي وحدك، فأنتِ تجعليني مقيدٌ بكلماتِ، بأفعالِ، فأصمت عندما يجب أن أتحدث

أراكِ دائماً وأبداً قريباً

الأحد، 11 مارس، 2012

الخروج من الجنة




ليس كعادته, أخذ يخرج من وكره ظهراً، ليجدد قلبه الذي ملأه العث والخراب، وماشياً خلف صديقه الوحيد الذي ظلّ طوال الليل يقنعه بأنّنا نستحق الحياة، ولن تبتسم لنا الدنيا، ونحنُ متكوّرين في الظلام لا نفعل شيئاً غير ندّب الحظ، ونفتح أبوابنا للخراب والوحدة المفرطة، كان يجب أن يخرج من غرفته التي تشبه قبراً على سطح الأرض، مظلمة حتى في النهار، ولها رائحة السجائر الممزوجة بالرطوبة، ليس فيها إلا المرض وأحلامه المعلقة على جدران تكاد أن تقول له انهض.
جاء صديقه في التاسعة صباحاً، وكان كعادته ينام نهاراً ويستيقظ ليلاً كجرذ يخشى كل شيء، دخل إلى غرفته المظلمة أزاح الستائر، وفتح الشبابيك، ليسمح لضوء الشمس أن يطهر هذه الغرفة من الحزن والوحدة والعزلة المفرطة، استيقظ على نسيم الصباح وهو يحتك في وجهه كأصابع فتاة عشرينية، وعلى صوت موسيقى زوربا اليونانية، التي أحضرها صديقه خصيصاً له، واختار الأغنية الأكثر أملاً، فابتسم لصديقه وأشعل سيجارة، مع محاولة لعدم إغلاق عينيه مع هذا الضوء الذي بدأ ينساه، وذهب صديقه يعدّ قهوة الصباح, تاركاً إياه يغتسل، وأملاَ خفيفاً يسري في عروقه، اغتسل وكأنه يغسل كل أحلامه الميتة، وكأن ينقي نفسه حتى يستعد للحياة من جديد، يتمناها خالية من غصّة الحزن التي أصبحت ملازمة كسعاله المعتاد، كان يريد أن تذهب خيباته إلى بالوعة المياه حتى تموت بعيداً عنه. اختار ملابس أنيقة، وذهب ليجد السعادة تملأ وجه صديقه بابتسامة لا يستطيع إلا أن يبادله بأكبر منها.
قال له: كأنك عدّت كما نعرفكَ جميلاً ورقيقاً وابتسامتك التي كدّتُ أنساها، اضحك للحياة تضحك لك يا صديقي .
كان يريد أن يقول أنه ضحك كثيراً لها ولكن لم يرى سوى الخيبات والانكسارات السريعة التي لا ترحم، ولكنه اكتفى أن ابتسم وأضاف كلمة شكراً.
شربا القهوة وغادرا إلى الشارع الذي يحفظه جيداً في الليل، أخذ يرى الناس وهيّ تذهب وتحمل أحلامها المكسورة في أكياس ثقيلة.
وتحدث كأنه يتحدث إلى نفسه: النهار مختلف، لن تجد في النهار أصدقاءك الجرذان والكلاب التائهة، هنا تستطيع أن ترى رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخ تبحث عن قوتهم، لينسوا الجوع ليلةً واحدة فقط.
سخيفةٌ هي الحياة، باردة الأعصاب، لا تأبه بأحد، ظالمةٍ دون أن تشعر بأي ألم، أي ضمير يعذبها، كما يعذبنا في الليل، آه لو أن للحياة ضميراً فقط!.
وأخيراً توقفت لهم سيارة أجرة، تأخذهم إلى قلب المدية، هناك حيث يستطيع أن يشتم العطور ورائحة الملابس الجديدة, ورائحة الأنوثة في فتيات الجامعات، ورائحة الطريق والأشجار التي تمتد على الطريق. وصل إلى المدينة ووجدها كما أراد، تحمل ذاكرته التي قضاها في هذا المكان، وكلمّا مرّت فتاة بقربه لا ينظر إليها بل يشتم أنوثتها، وتثار شهوته من عطر بعض النساء النفاذ الذي يملأ رئتيه بقليلٍ من الحب والسعادة الخفيفة.
كان يمشي بلا مبالاة وينظر هنا وهناك، حتى توقف فجأةً،أخذ صديقه يحثه على المضيّ قدماً، ولكنه بقي صامتاً، لا يسمع أحداً، ولا يرى سوى ابتسامة فتاة بعيدة، تتقدم نحوه شيئاً فشيئاً، تتمشى مع صديقتها، واثقة الخطى بجسدٍ ممشوق، بشعرها الذي يركض خلفها، بوجهٍ كالشمس يشّع أملاً. أخذت تمشي على الطريق كغيمة، لا تشعر بها الأرض، كأنها تمشي على قلبه، بدأ بريق عينيها يلمع، بدأ جسدها يكتمل في عينيه، ورائحتها كانت ترقص مع الهواء، رآها تقفز من اللّوحات التي رسمها في غرفته، وتتمشى في الشارع، وكأنها ثارت على غرفته وخرجت، كأنها ثارت على الألوان وعلى الطبيعة، لتمشي واثقةً أمام راسمها، وتقول له انتصرتُ عليك.
وقبل أن تمّر، رمقته بعيونها وابتسمت، وكادت أن تذهب, لولا أنه وقف أمامها بسرعة مانعاً إياها من تخطي حدود عينيه وقلبه, حاول أن يملأ عيناه منها وقال:
أنتِ هيّ، إنها عيناكِ، كيف هربتِ؟، وخرجتِ من اللّوحات؟، لن أدعكِ تهربين الآن، أنتِ التي أرسمكِ كل ليلة، ولا أرسم غيرك، هل رأيتِ مجنون يرسم فتاة قبل أن يراها آلاف المرات؟، وعندما يراها تدعها تذهب؟!.
كان في عينيها أسى، تحاول أن تبتسم في عينيها، ولكن هناك شيء غامض.
-ابتعد أرجوك.
- كيف ابتعد وأنا مسجونٌ فيكِ, وأنا كلما ابتعدتُ أتيتِ، وهربتِ من لوحاتي الكثيرات، لأجدكِ هنا.

أي عقل يستوعب كل هذه المفاجآت، أي جسد يستطيع أن لا ينهار أمامكِ كظل، من قال أن النساء همّ أنصاف عقول قد كذب!، المرأة هي التي تسلب عقولنا لنبقى من دون عقول، نفعل ما يأمرنا به قلبنا، كأننا تحت تنويم مغناطيسي نمشي رويداً رويداً باتجاه بحرٍ من المفاجآت، أتذكر نزار قباني عندما قال :
عشرين ألف امرأةٍ جربت
وما زلت لا أفهم ما يدور برأس النساء

فماذا أقول أنا؟، الذي أجدكِ أمامي، لا أعلم كيف ولا لماذا؟، كيف أجدكِ تخترقين الحلِم وتحولينه إلى واقع لن يستوعبه إلا من عاش لحظة عشقٍ كهذه
قلتُ لها
- أين أذهب؟، عندما يخيرونك بين الجنة والنار، أيهما تختار؟ يبقى الإنسان طول عمره يركع ويصوم ويصلي، حتى يدخل جنة لم يراها، فكيف أنا وأنا أرى الجنة أمامي؟ هل أرمي روحي في النار، لتتحول إلى رماد؟

صمتت، وقالت بجبروت النساء:
- أنا أذهب، سأتزوج قريباً، أرجوك اذهب قبل أن لا أستطيع أن أمسك قلبي أكثر، علمتني الحياة أن أقسو على نفسي، فلهذا دعني

وقف صامتاً والدموع تملأ عيناه، كان يريد أن يقول شيئاً، ولكن غصة ملأت صدره، فلم يستطع أن يقول أي كلمة، ابتلع جرحه كلماته، وأخذ يلملم دموعه بيديه، وذهب في طريقٍ لا تتسع لأكثر من شخص، وحيداً كراية ممزقة، خرجت دولتها من الحرب خاسرة، وحيداً كورقة تساقطت في الخريف، فلم يعد لها معنى، لم يعلم أين يذهب، فظل يمشي، دون اتجاه، وجد نفسه داخل البحر بكامل ملابسه، وهناك صرخ وأخذت تخرج منه الآهات، وحيداً هو والبحر.