الأربعاء، 11 يوليو 2012

صوتكِ

لقد بدأتُ أنسى نفسي معك، وكأن الحياة قد بدأت معك، قبلك كان للحياة طعمٌ مر كئيب كصوت المروحة، والآن صوتكِ يأخذني إلى الغيم، حيث كل شيء أبيض، هذا اللون الذي غاب منذُ سنين طويلة، قد بدأ قلبي يرتجف ويفرح عندما تدخل نسمات صوتكِ إليه، أصبح يدمن عليه، وينتظر ساعات الليل ليسمعه حتى يرق، وربما أنني أصبح غاضباً في المساء، وذلك لأن جرعة صوتكِ قد اقتربت، فأصبح أهذي حتى أسمع صوتكِ وأطير هناك في الغياب، يا فتاةً يعشقها البحر ويغني لها كل ليلةَ أين كنتِ؟، هل كنتِ تسمّعين القمر بعض الأغاني الفيروزية؟.
ليس المهم أين كنتِ المهم أنكِ أتيتِ، المهم أنكِ أصبحتِ في أيامٍ قليلة أساس الفرح في قلبي، أكتبُ لكِ وأنا انتظر أن تعودي من السماء تهذين معي وتضحكين وتسبسبين وتشتمين هذا الواقع اللعين، لو كنتُ إلهاً لجعلتكِ صوت البحر...

الخميس، 5 يوليو 2012

وقفنا الشعور- زياد الرحباني


لا تسألني شو حاسس

وقفنا الشعور

وقفنا العواطف

وخصوصي الحنين!!

شو بدك دخان؟؟

وقفت التدخين!

وكلو بسبب شو؟ وكلو بسبب مين؟؟

عم فكر بحالي لحالي

ما حدا يتضايق كرمالي

أنا ممنون لطف السامعين!

لا تسألني شو مغير؟

بطلنا التغيير!!

تكبير القضايا وتعذيب الضمير

شو بدك أوضاع؟ يعني مش كتير؟

وكلو بسبب شو؟

هيدا اللي عم بيصير

أنا صفيت برا المعايير !!!

الأحد، 1 يوليو 2012

الشعبية: الاحتكام للشارع والجماهير هو الرد على جريمة رام الله -بيان هام

يان جماهيري صادر عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مدينة رام الله المحتلة
الشعبية: الاحتكام للشارع والجماهير هو الرد على جريمة رام الله

جماهير شعبنا البطل،،

تحية الشهداء والأسرى، تحية الوطن المسلوب من البحر إلى النهر، تحية المقاومة والرفض لكل ما هو خارج عن تراثنا الوطني والإنساني، تحية إجلال وإكبار لكل الأصوات الرافضة للاحتلال و لكل المشاريع المرتبطة به، تحية لكم أبناء و بنات شعبنا المناضلين والمناضلات.
إن الحراك الشعبي الرافض لكل أشكال التنسيق والتفاوض والتطبيع هو جزء من الحالة الكفاحية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في هذه المرحلة وأن الاعتداء عليها إذ يعتبر جريمة نكراء يجب أن يحاسب كل من ارتكبها دون الالتفات إلى موقعه أو رتبته أو الجهاز الأمني الذي يمثله.
إن ما حدث بالأمس من اعتداء همجي وقمع وحشي للمسيرة الجماهيرية التي انطلق بها أبناء شعبنا للتأكيد على إلغاء زيارة المجرم موفاز للمقاطعة وعدم الاكتفاء بتأجيلها إذ يجسد نموذجاً للدولة البوليسية وأجهزة الأمن القمعية التي اعتدنا أن نراها في بعض الدول والتي كانت أحد أهم مسببات الثورات في بعض البلدان.
إننا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إذ نعبر عن استيائنا و سخطنا على ما جرى، فإننا نؤكد ما يلي:
1. إن الاعتداءات التي حصلت هي جرائم يجب أن يحاسب كل المسئولين عن تنفيذها ابتداءً من وزير داخلية حكومة رام الله وانتهاءً بأصغر جندي شارك بقمع تلك المسيرات مروراً بالضباط الميدانيين الذين اشرفوا و شاركوا في عمليات الضرب و الاعتقال.
2. ندعو كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى أخذ دورها الفاعل في ملاحقة المتورطين قضائياً وقانونياً، وجمع الأدلة والوثائق على طريق تقديم هذه الفئة للمحاكمة.
3. نؤكد على ضرورة الاستجابة لمطالب الفئات الشعبية الداعية لمحاسبة المسئولين عن أحداث الأمس حتى لا تصبح عدم المسائلة مبرراً لارتكاب المزيد من الجرائم.
4. نؤكد أن الاحتكام للشارع ورغبة الجماهير هو الأسلوب المجدي لتحقيق الأهداف وأن هذا حق مشروع لكل فلسطيني ولا يحق لأي كان المساس بهذا الحق، و نؤكد دعمنا لكل التحركات الشعبية الرافضة للمفاوضات والتنسيق الأمني والداعمة للقضايا والحقوق الوطنية، وبالتالي استعدادنا للتصعيد الجماهيري الشعبي على طريق انتزاع حقوق شعبنا المسلوبة و رفض التلاعب أو المساس بها.

5. نؤكد أن الوحدة الوطنية وتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام والاتفاق على إستراتيجية وطنية مقاومة للاحتلال هي السبيل للخروج من الأزمة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني، وإن ما جرى بالأمس من شأنه تعزيز الانقسام والفرقة وهذه ما ندينه ونعتبره غير مألوف في تراثنا و تاريخنا الفلسطيني.

المجد للشهداء و الحرية لأسرى الحرية
على طريق المصالحة وإنهاء الانقسام
فليسقط نهج التفاوض و الاستسلام
وإننا حتما لمنتصرون

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
رام الله المحتلة
1/7/2012

الأربعاء، 30 مايو 2012

محاولة للبحث عن الحقيقة : لا وطن إلا فلسطين

لا وطن إلا فلسطين

هل يجب أن أضحك لأثبت أنّي سعيد؟. قليلاً جداً ما أبكي، ربما كبرياءً أو إيماناً بأن الرجل لا يجب أن يبكي، لا أعلم، ولكني أضحك لكل شيء لطائرٍ حطّ على شباكِ، ولوردةٍ شارفت على الخروج من الظلام. لستُ حزيناً رغم أن كل شيء يدعوك للحزن.
أكره المتفائلين في كل شيء، حتى في الوطن، الوطن بعيد كبُعد عيون فتيات الجليل عنّا، نحتاج إلى كثير من البنادق والدم حتى نعيده، وهل في الدم تفاؤل؟، وعندما ننشد لفلسطين كل يوم ونقول أنها قريبة، وعندما نمجد أنفسنا وطنيّاً، ونقول الشعارات المتكررة بأن فلسطين ليّ وفلسطين تعيش فيّ، وكل هذا الكلام المُبتذل، هل أضفنا شيئاً جديداً للأمل؟.
مِن أين يأتي الأمل في شباب تكتب أكثر مما تقرأ؟. وهل سأرى يوماً فتاةً ستحلم بغير عريسٍ جميل؟. هل سأرى فتاةً تحلم بحرّية خارج نظام الزواج المُرتب، وتقبل أن تعيش حرةً إلى الأبد؟. أنا لا أحب الكلام المُنمّق دائماً لا في الوطن ولا في النساء.
ولهذا عندما تريد أن تصف الوطن كُنّ صادقاً واكتب شوائبه قبل أن تمدحه، ولا تتغنى في أحد غير الشهداء. فمثلاً عندما أقول أحب القدس لا يجب أن أنسى أن القدس هيّ سمّة البدن صباحاً ومساءً، ولأني أحبها لا أرغب في زيارتها وهيّ نصف إسرائيلية!، الجنود يتمشون فيها، والمتدينون الصهاينة يعتدون على أي فلسطيني يروّه حتى ولو لم يفعل شيئاً!، ولا تستغرب عندما ترى علم الكيان الصهيوني على المسجد الأقصى!، فما الجميل في القدس وهي هكذا؟ سأقول الجميل في القدس هي دماء الشهيد ميلاد عيّاش ذلك الطفل الذي رفض كل ما يراه وثار على المُحتل، واختار للقدس لوّناً يليق بها هو لون الدم حتى نحررها.
ما يجعلني فرحاً وغير مكتئباً عندما أسمع بمقتل صهيوني.
ما يجعلني فرحاً هو رؤية الانتصارات على المُحتل.
وما يجعلني فرحاً هو ضحكة طفل صغير لم يرى الحياةُ بعد
وما يجعلني فرحاً هو أغنية أتت في موعدها ففتحت القلب على الحياة مِن جديد
وما يجعلني فرحاً هو أنتِ بعد أن أضحك ضحكة صادقة بعيدة عن الابتذال

كثيرة هي الأشياء التي تفرحني، ولكن التي تحزنني أكثر...
عندما ترى أبو مازن وهو يتاجر في القضية الفلسطينية، يصيبك غضب لا تسعه فلسطين بأكملها!؟.
وعندما ترى أن النضال الفلسطيني تحول إلى هتافات سلمية مِن قبل شباب يبيعون كامل الوطن لمؤسسات التطبيع.
وعندما ترى أم أسير تبكي حرقةً على ابنته التي لم يراها.
وعندما ترى أن الحرية أصبحت مجازاً وعلى الورق وفي اللعب السياسية!.
وعندما ترى أن الوطن قد تحول إلى وجبة غذاء، الأمهر هو مَن يقتطع الحصة الأكبر!.
وعندما ترى أن حماس تحوّلت مِن تنظيم يقاوم إلى تنظيم يمنعك من المقاومة ومِن إبداء رأيك في كل شيء حتى الوطن!.

وكل ما قلته باطل، هناك طريق وحيدة للفرح هيّ أن تثور على كل شيء حتى نفسك، أن تحمل وطنك كاملاً فوق أكتافك وأنتَ تبتسم، وأن تبصق كما شئت في وجه كل خائن وكل مَن يتاجر في الوطن، وتمشي رافعاً رأسك حراً، لا يوقفك إلا الجولان، فتمشي إلى تحرير الوطن، فإما أن تعيش منصوراً على الظلم، وإما أن تموت منصوراً على الموت.

الأربعاء، 9 مايو 2012

بالفست يكشف المستور

زار غزة قبل أيام وفد بالفست تحت عنوان "احتفالية فلسطين للأدب"، كنتُ مشغولاً ومنهمكاً بقضية الأسرى، وعندما قالت ليّ صديقتي أنهم آتون، قلتُ لها: ربما الوقت ليس مناسباً، قضية الأسرى هي أولويتنا. اليوم حين ودّعناهم أدركتُ كم كنتُ مخطئاً ، كيف كنتُ أفكر بهذه الطريقة؟، وتذكرتُ قول الشاعر محمود درويش " الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر."، أتى علاء عبد الفتاح وعمر عزت وأهداف سواف وفرقة اسكندريلا وكامل الوفد سواء كانوا مصرين أم تونسين أم سودانين، أتوّ ليأخذوّا الهوية الفلسطينية بجدارة من الطبقة المُضطهدة لا مِن الحكومة.
كنتُ في خيمة التضامن مع الأسرى، فسألتُ صديقاتي وأصدقائي هناك: " هوّ عمرّو عزت حينزل التحرير إيمتى يا جماعة" ردّ عمّرو عزت مبتسماَ أنا هنا، متضامن معكم كأي فرد من أفراد فلسطين، وذهبنا معاً طبعنا الجرافيتي على الجدران، كنتُ أرى عمّرو عزت كفلسطيني عائد إلى حيفا، حينها قلت: إنهم رجال ثورة مصر، لا يعرفون للثورة حدود، وأينما يكون الإنسان هوّ موطنهم.
ثم التقينا بعدها بالوفد كاملاً، كُنّتُ أرى ثقافة مُكتسبة من القراءة والشارع، مثقفين متمرسين، دفعوّا الكثير من التضحية ليصبحوّا مثقفين، وليسوّا مِن النوع الذي يأتي إلى غزة فقط ليقول زرّتُ غزة أو مِن باب الشفقة على أهل غزة، جاءوا ليقولوا كلّنا غزة.
وجدّنا الجميع في خيمة التضامن مع الأسرى، وغنّت اسكندريلا لفلسطين بأسراها وجرحاها وهمّومها، غنت للفلاح والعامل والشاب الجائع للحرية، كانوّا يشكون من التقيد الذي تفرضه عليهم رجال أمن حماس، فقالوا بصوت عاليّ "العسكر همّا العسكر، وكل العسكر حرامية". وكعادتها حماس تقتل أي كلمة تعبير وحرّية رأي، وتحاصر كل زائر في غزة كيّ لا يرى آلام الشعب عن قرب، ليبقوّا يتحدثون عن حصار حماس وينّسون شعب غزة، ولكن هيّهات أن تخدعوّا مَن ضحوّا ليحيا شعبهم، هيهات أن تضحكوّا على أصدقاء الشهداء في التحرير، هيّهات أن تضحكوّا على مَن يعرّفون رجال الأمن والعساكر وخبّاثتهم كما يعرفون أصدقاءهم جميعاً، كشفوّا المؤامرة سريعاً، كشفوّها لأنهم تعاملوّا مع الكبير ومع الصغير، وتحدثوّا إلى الشباب جميعهم، سمّعوا آهاتهم وأوجاعهم مِن كبت الحريات وحملات الإعتقالات على أرائهم، وقمّع أي شيء لا يكون عن طريقهم. وقالوّا لا لقمع الحرّيات، ثوّروا لأجل الحرّية.
لمّ يعجب حماس الوضع، وخافوّا مِن ثورة حقيقية بعد أن شجعوّا الشباب على انتزاع حريتهم وأن لا تبقى المسبّة ناشفة في حلوقهم، بل لتخرج دون خوف ومهما كانت النتيجة، ففضت الإحتفالية الختامية للمهرجان في قصر الباشا، واعتدّوا على الوفد والشباب، وأطفئوا الكهرباء، وصادروّا الكاميرات والهواتف، حتى يعمّلوا ما يحلّوا لهم، ثم يذهبوا ليعتذروّا، ويقولون هذا تصرف طائش وفردي من أفرادنا وسنعاقبهم " ككل مرة "، ويرضون الوفد بكلمات وهدايا، اعتقدوّا أن الحيّل ستمشي ككل مرّة، ولكنّهم لا يعلمون أنهم يتعاملون مع ثوّار، يعرفوّن حيّل المخبرين أكثر مِن نكات أصدقاءهم. ففضحوّا رجال أمن حماس وحكومتها، وقالوّا ليسقط العسكر في كل مكان، لا فرق بين عسكر مصر وعسكر غزة. ودلوّا الشباب المقموع إلى طريق الثورة، إلى طريق الحرّية بقوّل عمر عزت "
 إذا كانت المقاومة من أجل الحرية فلا يعقل أبدًا أن نتنازل عن الحرية تحت مبررات المقاومة.".
ستعودون يوماً إلى غزّة لتهنئتها بالحرّية من العسكر، ونكرمّكم جميعاً كفلسطينين قدّ تذوّقوا فلفل غزة، وعرّفوا أن دواء الظلم هوّ الثورة. لنا لقاء في فلسطين حرّة، وأتمنى أن يكون في عكا، لنتحرر من كل العساكر، وتعوّد لنا حرّيتنا ووطننا وكرامتنا. فشكراً لكم مرّة أخرى وليس وداعاً بل لنا لقاء ونحنُ جميعنا أحرار، لتنتصر إرادة الشعوب في كل مكان، وينقبع الظلم بأيدينا نحنُ الجماهير الحرّة دائماً وأبداً

الأحد، 6 مايو 2012

كيف ليّ أنا السجين أن أحكي عن الأسير الحرّ؟


كيف ليّ أنا السجين بين جدران غزة أن أوصف حرّ في الزنزانة؟
تراوّدني الشكوك في طبيعة وإرادة السجين الفلسطيني وكيف يدّق جدران السجون بأمعائه الخاوية، ونحنُ مازلنا نحاول أن نعبئ خزان الماء المثقوب!. الأسطورة اتخذت مكانتها هناك في السجون، فجعلت من السجن شجرة فلسطينية تُزهر الحرّية، وتشرب الدم لتحيا فلسطين ثمّ الحرية. كيف ليّ أنا السجين أن أحكي عن الأسير الحرّ؟ أن تكون أسيراً يعني أن توّشم اسم فلسطين على قلبك، تنقشه إن أردت كالآيات القرآنية في المسجد الأقصى، تنطفئ الحروف كالشمعة عندما تضاء شمس الحرية في السجون، فتصبح عاجزاً أن توّصف البطولة بكلماتٍ تُكتب على الورق، يقول محمود درويش " أن تكون فلسطينياً يعني أن تصاب بأمل لا شفاء منه"، ولكن يا درويش لم تعش إلى الآن لترى قمّة اليأس والإحباط في شوارع فلسطين، لمّ ترى الناس وهيّ تجري وراء رائحة  البنزين وكأنه قد أصبح مقدساً، من يعبأه كأنه لامس وجه الله!، ولكنك كنتَ ستكتب " أن تكون أسيراً يعني أن تصاب أمل هناك شفاء منه وهو الحرّية"، هناك في السجون نجد الأسرى يجسدون ملاحم البطولة، تجدّ روح الانتفاضة. الأسرى أعادوّا الروح في القضية الفلسطينية بعد أن قرّعوا الزنازين بأجسادهم، فخرج الشباب الفلسطيني إلى عوفر وعادت روح الانتفاضة، عادت روّح الحجارة، وعاد الوطن جميلاً يغطيّه الأدخنة السوداء في إشعال الإطارات، وأصبح الأبطال يرمّون العدّو بأجسادهم إن غاب الحجر، مَن قال أن الحجر هو جماد قد كفر، إنه كائن حيّ يملك قلباً رقيقاً وشرساً مختومُ عليه أنا رمزّ الانتفاضة، أمسكوني واضربوا بيّ العدّو لأكون حجراً شريفاً لا يخوّن وطنه، كل الجمادات في فلسطين تتحرك وتغضب إنّ لم تضرب معنا حتى تحرير فلسطين. إذا الحجر تحرّك لماذا لم يتحرك الباقين؟ ألف سؤال وسؤال يجعلنا نريد أن نذهب إلى الموت مبتسمين لأننا نمّلك أملاً لا شفاء منه أبداً.

السبت، 5 مايو 2012

البومة في غرفة بعيدة -غسان كنفاني


البومة في غرفة بعيدة

غسان كنفاني

كل صور عدد كانون الاول من المجلة الهندية "أ.." كانت رائعة ، ولكن أروعها بلا شك صورة ملونة لبومة مبتلة بماء المطر .. وتكمن كل روعها في لحظة اللقطة الموفقة ، وفي براعة الزاوية .. واهم من هذا كله : في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة المختبئة في ظل ليل بلا قمر .
كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه بالوحدة والعزلة .. أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة ، أما القائمة الرابعة فلقد استعملت يداً لمكنسة ما لبثت أن ضاعت .. والملابس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ثقوب بظهر الباب قبل ان يرتكز نهائياً في ثقبه الحالي .
قلت لنفسي وأنا أشد بصري إلى صورة البومة الرائعة :
- يجب أن تعلق هذه الصورة على حائط ما .. فذلك يكسب الغرفة بلا شك شيئاً من الحياة والمشاركة ...
- ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير ، وأطرتها بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الأشكال ، كان العمل الفني ، إذن ، قد أخذ سبيله إلى الغرفة وكان لابد أن اغبط نفسي على التقاط هذه الصورة .

عندما آويت لفراشي في منتصف الليل فاجأتني الصورة ، كان ضوء الغرفة خفيفاً بعض الشيء ، وقد يكون هذا هو السبب الذي من اجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة ، كان رأس البومة اكبر من المعتاد وكان يشبه شكلاً رمزياً لقلب مفلطح بعض الشيء ، أما المنقار الأسود فلقد كان معقوفاً بصورة حادة حتى ليشبه من منجلاً عريض النصل ، والعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي أعلاهما تحت انحناءة الحاجبين الغاضبين ، كان في العيني غضب وحشي ، وكانت النظرة – رغم ذلك – تحتوي خوفاً يائساً مشوباً بتحفز بطولي وتشبه إلى حد بعيد نظرة إنسان خضع فجأة للحظة ما ، عليه أن يختار فيها بين أن يموت ، أو أن يهرب كان الوجه مخيفاً وبدا أن العيون المستديرة اللماعة باماضة حية ، كانت تحدق عبر صمت الغرفة ، وتخترق برعشتها الحية جمجمتي ، وتقول بصرير حار :
- أتذكر ؟ .. لقد التقينا مرة قبل الآن

أطفأت الضوء الشاحب ، ودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق الصيف اللزج ، ورغم ذلك ، فلقد كنت أرى العينين الغاضبتين الخائفتين تخترقان الظلمة وتحدقان في ، كان وجه البومة المتحدي لضغط لحظة ليس فيها سوى الإختيار بين الموت والفرار مائلاً في رأسي كأنني لم احول نظري عنه بعيداً ، ملحاحاً ، غضوباً يتمسح باشمئزاز ساخر ، وعبثاً ذهبت كافة المحاولات التي بذلتها لأسلخ الصورة عن رأسي ، كانت شيئاً قد دخل إلى الغرفة العاريـة ، وعلى إحساسي ، وتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذي كان ما يزال ينحدر من المنقار الأسود المعقوف :
- لقد تقابلنا مره قبل الأن ... اتذكر ؟ !

شعرت فجأة بأنني أعرف هذا الوجه تماماً ، وأني أرتبط معه بذكرى يجب أن لا تمحى ، نعم ، أنا أعرف تينك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة ..لكن أين تقابلن ؟ متى ؟ كيف ؟

لقد بدا كل شيء مغلفاً بضباب متكاثف ، ورغم ذلك كانت ثمة ذكرى تلتمع من بعيد ، إلا أنها كانت غامضة مغرقة في البعد ، هناك سد كثيف يحول دون رأسي وتلك الذكرى ، وكان لابد من التذكر . فعينا البومة الغاضبتين تبعثان دفقة إحساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الآن .. ولكن متى ؟ وكيف ؟ وأين ؟ .

نهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوم تحت تلك الوطأة وأضأت المصباح ثم وقفت أما الصورة الملونة : العيون هي ، لم تزل ، تطل غاضبة واسعة مغروسة في الوجه المفلطح العجيب . والمنقار المعقوف كنصل عريض لمنجل أسود ، لم يزل ، يطبق بعنف على ضرب من الاشمئزاز الساخر ، والريش الرمادي الملون بحمرة وقحة يتجمع خصلاً كصوف قذر بعد أن ابتل بماء المطر .

سقطت الذكرى ، بعد فترة، فاصلة مدوية صاخبة فأورثتني دواراً مفاجئاً ، والتمعت خلال الضباب المتكاثف كل الأشياء التي ذكرتني بها البومة المخيفة ، وبدا لي أننا نعرف بعضنا جيداً .

***
كان ذلك قبل عشر سنوات على وجه التقريب ، كنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دورها كتفاً إلى كتف فوق حاراتها الموحلة ، أذكرها الآن أشباحاً تتلامح منذ زمن بعيد ، كنت طفلاً آنذاك ، وكنا نشهد ، دون أن نقدر على الاختيار ، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً . كانت البنادق العتيقة في أيدي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية ، وأصوات القذائف البعيدة تدلنا أن معركة تقع الآن ، وأن – ثمة – أمهات يفقدن أزواجهن ، واطفال يفقدون آباءهم ، وهم ينظرون عبر النوافذ ، صامتين ، إلى ساحة الموت .

لا اعرف في أي يوم وقع الحدث ، حتى ابي أيضاً نسي ذلك ، كان اليوم المشؤوم ، كان أكبر من أن يتسعه اسم أو رقم ، لقد كان في حد ذاته علامة من علائم الزمن الكبيرة ، من تلك التي توضع في مجرى التاريخ كي يقول الناس " حدث ذلك بعد شهر من يوم المذبحة " .. مثلاً .. كان يوماً من تلك الأيام لا شك ، وإلا لكنا حشرناه تحت رقم او تحت اسم أو تحت عنوان .

لقد بدأ الهجوم قبيل منتصف الليل وقال أبي الشيخ لامي فيما هو يتنكب بندقيته الثقيلة :
- انه هجوم كبير هذه المرة ..
ولقد عرفنا ، نحن الصغار من أصوات الطلقات أنه هناك أسلحة جديدة وأن هناك هجوماً من ناحية أخرى لم تطرق قبل الآن .. وان قنابل حارقة قد سقطت في وسط القرية فأحرقت بيتاً وأطفالا ، وحين نظرنا من خصاص النافذة الواطئه شاهدنا كمن يحلم – أشباح نسوة منحنيات يسحبن جثثاً إلى داخل القرية ، وكان يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوت نشيج مخنوق : إحداهن – هكذا كانت تشير أمي – فقدت زوجها وصمودها في آن معاً .

بعد ساعة من الهجوم المباغث ، تراجع رجالنا ، كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا ، وبدا لنا أن النجوم أخذت تتساقط على بيوتنا ، وقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة وتلهث :
- انهم يقاتلون بالفؤوس ..
وقتال الفؤوس لم يكن غريباً على رجال قريتنا ، فلقد كان الفأس هو سلاح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها ، فكان يحملها على كتفه زاحفاً فوق الأشواك الجافة ، ثم يشاهد المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح انسان راكع ، يرفع كلتا يديه فوق رأسه ما وسعه ذلك ، وبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل ، ثم يهوي الفأس ، ويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق ، ويبتلع الظلام أنة ممدودة يعقبها شخير عنيف ، ثم يصمت كل شيء .

لقد بدأ قتال الفؤوس إذن ، هذا يعني أن الرجال قد تلاحموا ، وأن جثثنا كثيرة قد ضاعت في خطوط الأعداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس ، واضعة أنوفها براحة مطلقة على التراب الطيب ، ومستلقية بهدوء .

بدأت قريتنا تنكمش ، ولم يعد هناك أي عمل للشيوخ غير أن يعودوا إلى بيوتهم، ولقد شاهدنا أبي يعود منهكاً ، ولكنه لم يضع أية لحظة بل توجه لتوه على درج عتيق كان محظوراً علينا الاقتراب منه وتناول مسدساً صغيراً دفعه لأمي بعد أن تأكد من حشوه ، وأشار لها بعينيه تجاهنا ، أنا وأخوتي ، وقفل عائداً إلى الشارع .

كانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ، فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها ، بينما ارتعشت أمي وهي تحمل المسدس على راحتها وتتوجه إلى النافذة ، في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان يفصل بيننا وبين جيراننا – ولم نكن نستعمل ذلك الباب على الإطلاق – وصاح صوت العجوز ، جارنا ، راجفاً : _ افتحوا .. افتحوا ..
أز الباب أزيزاً رفيعاً إذ سحبته أمي فاندفع العجوز إلى الغرفة خائفاً ، وأجال بصره فينا ، ثم توجه لامي وهمس في أذنها كلاماً أبدت استنكارها له ، ثم عاد فهمس بحماس اكثر. فترددت أمي ثم هزت رأسها موافقة ، وأشارت إلي أن أتبع العجوز إلى بيته ..

دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفروشة ببسط ملونة . وأخذت أراقبه فيما هو يحرك ستارة ، ويتناول من ورائها صندوقاً صغيراً يضعه برفق بين ذراعي ، شعرت أن الصندوق أثقل من ما يبدو فتساءلت برأسي واتاني الجواب من فمه الأدرد :
- هذه قنابل كان المرحوم ابني خبأها هنا .

وهز رأسه بأسى ، وانتبهت لكلمة ( المرحوم ) التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة ، ولا في بقية الغرف ، فراودني شعور بالخوف بينما استمر الشيخ :
- يوشك اليهود أن يدخلوا القرية .. وإذا وجدوا هذه عندي قامت قيامتهم !
وتباطأت كلماته ، وبدأ يحرك إصبعه في وجهي حركة تحذير :
- أنت صغير ، وتستطيع أن تخترق الحديقة .. أريدك أن تدفن هذا الصندوق في أخرها .. تحت شجرة التين الكبيرة .. ربما احتجنا له فيما بعد ..

سرني أن أشارك بعمل بطولي، فاندفعت إلى خارج الباب ، وعندما وجدت نفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خوف رهيب ، وحدثتني نفسي ، وهي ترتجف أن ألقي حملي الثقيل وأقفل عائداً أدراجي ، لكني تنبهت إلى أن أمي لاشك تطل من نافذتها وتشاهدني ، كانت السماء شبه مضاءة بقنابل اللهب ، وكانت الشرارات تلتمع في الأفق راسمة خطوطاً مقطعة ً منتهيةً بضوء ساطع ، وفي لحظات الصمت المخيفة التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع أصوات ما تبقى من رجالنا تغني على طريقتها في المعارك غناء يبدو كأنه يتصاعد من عالم آخر ، عالم يموت فيه الإنسان وهو يعض على بقية الأغنية الحلوة ، ثم يتمها هناك في السماء .

اخترقت الحديقة منحنياً ، وكانت الطلقات تمس أعلى الشجر بصفير خافت ، وكانت التينة العجوز تنتصب في آخر الحديقة عندما وصلتها شعرت بحماسة غامضة ، وأنشأت أحفر في الأرض مستعيناً بعودة صلبة ، وفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوق بالحفرة ، سمعت صيحة حادة في أعلى الشجرة .. وتملكني خوف أسقط ركبتي إلى الأرض وأخذت أحدق مرتجفاً عبر الأغصان .. ثم شاهدتها ، على ضوء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا ، تقف هناك وتحدق إلي بعينين واسعتين غاضبتين أخفى أعلاهما انحدار الحاجب عليهما .. كان منقارها معقوفاً كمنجل اسود ذي نصل عريض ، ورأسها الكبير كصورة قلب رمزي مفلطح يتمايل بانتظام ، كان ريشها مبتلاً بماء المطر الذي انهمر في أول الليل ، وكان يومض في عيونها ذلك الغضب المشوب بخوف غريب ، وكانت تحدق إلي عبر الظلمة ، تحديقاً متواصلاً لا يرتعش .

هدأ الرعب في صدري ، وعدت إلى عملي حتى إذا أكملت أنشأت أنظر إلى البومة بإمعان ، كانت ما تزال على وضعها الأول وكان ضوء القنابل المباغت يعطي لعيونها ظلالاً مرعبةً ، وبدت لي أنها مصرة على وقوفها المتحدي ، وأنها سوف تبقى رغم كل الرصاص والموت.

عدت أدراجي إلى البيت ببطء وهدوء فلقد زايلني كل خوف كنت أحسه قبل أن أراها .. ثم لم املك إلا أن أتوقف هنيهة وأعود إلى النظر إليها ، كانت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إنساني عميق ، وعلى إماضة قنبلة بعيدة ، شاهدت في عينيها ذلك التحدي الباسل ، الخائف بعض الشيء ، ولكن الصامد لضغط لحظة اختيار واحدة بين الفرار والموت .

***
وأوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري .. لقد أنهكتني الذكرى ولكني أحسست بارتياح غريب فجأة ، فهأنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولات والموت ، وكانت البومة لا تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن متباعد وينحدر منقارها المعقوف صرير حاد :
- آيه أيها المسكين .. هل تذكرتني الآن ؟؟ !



الأربعاء، 18 أبريل 2012

قضية الأسرى هي قضيتنا الأولى




ها هي قضية الأسرى تتصدر الساحة الفلسطينية بأوسع أبوابها ومن السجن نفسه، ها هم الأبطال يجسدون قضية فلسطين من أوسع أبوابها بأكبر إضراب عن الطعام سيخوضه الأسير الفلسطيني فاضحاً سياسة العدو الصهيوني في ضربه لحقوق الإنسان، وممارسته اللإنسانية ضد الأسرى، ورافضاً للذل والإنصياغ لأوامر السجان وجلّده بأمعائهم الخاوية. إن ما يحدث في السجون الآن يثبت أن المقاومة الفلسطينية تثبت أن المقاومة بلا حدود، وتحت عنوان واحد هو التحرير، فها هي معركة الأمعاء الخاوية تثبت أنها سلاح ناجح في إرغام المحتل على الإنصياغ للأسير الفلسطيني، كما فعل خضر عدنان وكما فعلت هناء شلبي، وعلى درب الصبر والتحمل والموت لتحقيق العدالة الإنسانية في السجون نحو التحرير من سجن العدو ثم تحرير الوطن. إن أكثر من 1600 أسير يضربون عن الطعام، والعدد مرشح للزيادة بشكل كبير، رافضين كل أساليب العدو الصهيوني التعسفية من العزل الانفرادي والتعذيب ومصادرة الممتلكات الشخصية ومصادرة أعمالٍ قد كلفتهم أعواماً داخل السجن الصهيوني، رافضين السجن الإداري، ويقولون اليوم إما النصر وإما الموت، هكذا هو الفلسطيني الحقيقي الذي لا يساوم فإما أن يعود منتصراً أو يموت بطلاً.
إن بعض الفصائل الفلسطينية تحاول أن تصعد على الساحة الفلسطينية من بوابة هذا الإضراب، إن فصائل المواسم التي تصعد على المنصات بكامل أناقتها، وتلقي كلمات ركيكة، لن تخدعنا، يجب أن نقول لها أنتِ لا تمثلينا، إن ما يمثلنا هم الأسرى في السجون، وقيادة الإضراب في السجون، وعلى هذا يجب أن نقف في طريقهم التخريبية، لأنهم أول من يساوم، وأول من يخضع، فهم كالمرض تماماً، لا تتضح معالمه في البداية، ولكنه يطغى على الجسم فيهلكه، ولهذا يجب أن نبعدهم عن الساحة تماماً بكل الأساليب الممكنة.
كم كنتُ سعيداً وأنا أقرأ البيانات التي يصدرها القائد أحمد سعدات من السجن، فنرى كم هائل من الوطنية والصمود والتحدي لهذا السجان، إن أكثر ما يطالب به سعدات هو الوحدة الفلسطينية، ويقول أن الوحدة الفلسطينية ستعطي الأسرى معنوية عالية للخوض في هذا الإضراب ومهما كانت التكلفة، فماذا تنتظر فتح وحماس؟ ماذا يوجد أهم من هذا الحدث لإنهاء موضوع الانقسام من جذوره، والتخلي عن المصلحة الشخصية ، والإقتداء من أسرانا البواسل، في وحدة البوصلة ووحدة الهدف، يجب أن تحدث الوحدة حالاً على أسس وطنية ثابتة داعمة للأسرى وهذا سيزعج المحتل الصهيوني أكثر وأكثر، واضعاً عليه كل الضغوطات لفك معاناة الأسرى، أستغرب عندما يتحدث قائد من حماس ويقول اخطفوا الجنود لاستبدالها بالأسرى، وهل هذا شيء يجب أن يقال؟، هذا شيء معروف وبديهي ويجب أن تسارع حركة حماس أيضاً في ذلك، وإذا كانت تهّمها مصلحة الأسرى فلتترك المقاومون يضربون الصواريخ، ويعلنوها مقاومة حتى النصر أو الموت، ولتضع يدها للمصالحة، بدلاً من كلام التلفاز المنمق.
إن السلطة التي تتخذ المفاوضات ولقاء ناتنياهو أولوية على الأسرى هي سلطة غير شرعية، ويجب أن نتظاهر أمام المقاطعة في رام الله كما تظاهرنا أمام سجن عوفر، فالسلطة لا تريد الإضراب عن الطعام!، وتريد أن نساوم ونفاوض حتى تسليم فلسطين كاملةً!، يجب أن نلقي الحجارة على المقاطعة، حتى تترك الأسرى في شأنهم، فالقرار لقيادة الإضراب في السجون، وهم خارج هذا الإضراب، والآن نريد أن نرى لماذا رياض منصور لا يذهب بشكل رسمي إلى الأمم المتحدة لرفع ملف الأسرى؟ أم أنهم يخشون غضب ناتنياهو عليهم؟
يجب أن نتكاثف ونتحد الآن لإيصال قضية الأسرى إلى الحالة القصوى، فيجب أن نجتهد على الصعيد الداخلي بالوحدة، وإقامة الاعتصامات والمظاهرات، وأن تندلع الانتفاضة من جديد، وأن نعيد إشعال الإطارات، وتعود ثقافة الحجر إلى الشارع الفلسطيني. وعلى الصعيد الدولي، يجب أن نعمل حملات تضامن كبيرة مع الأجانب، على أبواب السفارات الإسرائيلية والأمم المتحدة، وطرد  السفراء الإسرائيليين من الدول العربية، وإشعال ملف الأسرى فهو قضية فلسطين الأولى، فلنشعل الأرض تحت أقدام الاحتلال في كل بقاع الأرض، مَن لم يؤمن بقضيته كما يجب، لا يستحق الحياة.
وفي النهاية أريد أن أأؤكد على ضرورة تفاعل الشباب الفلسطيني مع قضية الأسرى بشكل كامل، وأن لا يبتعدوا عن القضية أبداً، وإن الالتفات إلى قضايا ثانوية هي بمثابة خيبة للشباب الفلسطيني، فيداً بيد إلى تحرير الأسرى وتحرير فلسطين من العدو الفلسطيني، تحية إجلال وإكبار لأسرانا البواسل، وتحت شعار إما النصر أو الموت.

السبت، 24 مارس 2012

هذا القلب اختاركِ

انتشر الإحساس الغريب مرةً أخرى منذ أن لاقيتكِ لأول مرة، ذلك الإحساس اللعين، الذي يجعلني أخشى نفسي آلاف المرات، لأنّي أعرف نفسي جيداً عندما أغضب وعندما أحب، لا أفكر أبداً، أفعل ما أحب أن أفعل!.
هناك الكثير من الحزن يحيط القلب، لأن الشموع التي تشتعل ستحرقنا حتماَ، هل عليّ أن أسقط من أعلى حتى أعرف ما يدور بالأسفل هناك في قلبك؟
تعبتُ يا جميلتي تعبتُ من الانتظار ومن الخيبات الكثيرات، ومن صوت الطائرات، ومن صوت صواريخ الطائرات، ومن صوت أنين قلبي في الليل، هل عليّ أن أشعل قلبي حتى أقيّ نفسي من البرد وعيونك؟.
لدي الكثير لأقوله، ولكنه يتخزن في قلبي كالماء في باطن أرض قاحلة، لدي الكثير من الحب في أرض لا تحمل إلى طعم الفراق، طعم نبيذِ لم ينضج بعد.
أعلم أنه لا يجب أن أتحدث بلغةٍ مبهمة، ربما الصمت أفضل!، ولستُ جباناً وأنتِ تعلمين.
مازلتِ كما أنتِ تبهريني بجمالك، تثيرين في دمي الجوع والحسرةَ في آن، ومازلتِ تثيرين غضبي كلما تحدثتِ عن رجل، أو كلما صافحتِ رجلاً غيري، من حقي أن أغار بصمتٍ، وليس من حقي أن أعترض!
أنتِ الوحيدة التي تفهمين، أنتِ الوحيدة التي تعرفين، أن هذا القلب لا يعرف إلا اسمك، ولا يستكين إلا لصوتك، ولا يغضب إلا بكلماتك المبعثرة. كلما رأيتكِ تذكرتُ أزهار اللّوزيات، بيضاء كعيونك، لأن عيناكِ كزهر اللّوز أو أبعد - ليس هناك ما يضاهي بياضَ عيناكِ غير زهر اللوز والقمر -
أقول كل هذا الكلام لتعملين فقط، أني أجن من مرّ عليكِ، أني مستعد أن أذهب معك إلى الشمس، أني لا أتردد أبداً معك، وإن أردتِ كنت صدى صوتك، وكأس مائك، ووشاحكِ لأحميكِ من كل شيءٍ، لا أؤمن أن هناك شيء لم يعد عدو لنا، ولهذا لنحترس قدر الإمكان، ولا نصمت!.
أريدك، هذا ما أتمنى، بكل ما فيكِ أريدك، كما أنتِ، لا أكبر ولا أصغر، لا أطول ولا أقصر، كما أنتِ ولا أهتم لكل الأشياء التي تفرقنا، فهي كالطلقة التي نسمع صوتها ونخافها، رغم أنها مرّت وتفجرت منذُ زمن!.

هل لي بطلبٍ أخير؟
أن تسمعيني أكثر، وتجلسي معي وحدك، فأنتِ تجعليني مقيدٌ بكلماتِ، بأفعالِ، فأصمت عندما يجب أن أتحدث

أراكِ دائماً وأبداً قريباً

الأحد، 11 مارس 2012

الخروج من الجنة




ليس كعادته, أخذ يخرج من وكره ظهراً، ليجدد قلبه الذي ملأه العث والخراب، وماشياً خلف صديقه الوحيد الذي ظلّ طوال الليل يقنعه بأنّنا نستحق الحياة، ولن تبتسم لنا الدنيا، ونحنُ متكوّرين في الظلام لا نفعل شيئاً غير ندّب الحظ، ونفتح أبوابنا للخراب والوحدة المفرطة، كان يجب أن يخرج من غرفته التي تشبه قبراً على سطح الأرض، مظلمة حتى في النهار، ولها رائحة السجائر الممزوجة بالرطوبة، ليس فيها إلا المرض وأحلامه المعلقة على جدران تكاد أن تقول له انهض.
جاء صديقه في التاسعة صباحاً، وكان كعادته ينام نهاراً ويستيقظ ليلاً كجرذ يخشى كل شيء، دخل إلى غرفته المظلمة أزاح الستائر، وفتح الشبابيك، ليسمح لضوء الشمس أن يطهر هذه الغرفة من الحزن والوحدة والعزلة المفرطة، استيقظ على نسيم الصباح وهو يحتك في وجهه كأصابع فتاة عشرينية، وعلى صوت موسيقى زوربا اليونانية، التي أحضرها صديقه خصيصاً له، واختار الأغنية الأكثر أملاً، فابتسم لصديقه وأشعل سيجارة، مع محاولة لعدم إغلاق عينيه مع هذا الضوء الذي بدأ ينساه، وذهب صديقه يعدّ قهوة الصباح, تاركاً إياه يغتسل، وأملاَ خفيفاً يسري في عروقه، اغتسل وكأنه يغسل كل أحلامه الميتة، وكأن ينقي نفسه حتى يستعد للحياة من جديد، يتمناها خالية من غصّة الحزن التي أصبحت ملازمة كسعاله المعتاد، كان يريد أن تذهب خيباته إلى بالوعة المياه حتى تموت بعيداً عنه. اختار ملابس أنيقة، وذهب ليجد السعادة تملأ وجه صديقه بابتسامة لا يستطيع إلا أن يبادله بأكبر منها.
قال له: كأنك عدّت كما نعرفكَ جميلاً ورقيقاً وابتسامتك التي كدّتُ أنساها، اضحك للحياة تضحك لك يا صديقي .
كان يريد أن يقول أنه ضحك كثيراً لها ولكن لم يرى سوى الخيبات والانكسارات السريعة التي لا ترحم، ولكنه اكتفى أن ابتسم وأضاف كلمة شكراً.
شربا القهوة وغادرا إلى الشارع الذي يحفظه جيداً في الليل، أخذ يرى الناس وهيّ تذهب وتحمل أحلامها المكسورة في أكياس ثقيلة.
وتحدث كأنه يتحدث إلى نفسه: النهار مختلف، لن تجد في النهار أصدقاءك الجرذان والكلاب التائهة، هنا تستطيع أن ترى رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخ تبحث عن قوتهم، لينسوا الجوع ليلةً واحدة فقط.
سخيفةٌ هي الحياة، باردة الأعصاب، لا تأبه بأحد، ظالمةٍ دون أن تشعر بأي ألم، أي ضمير يعذبها، كما يعذبنا في الليل، آه لو أن للحياة ضميراً فقط!.
وأخيراً توقفت لهم سيارة أجرة، تأخذهم إلى قلب المدية، هناك حيث يستطيع أن يشتم العطور ورائحة الملابس الجديدة, ورائحة الأنوثة في فتيات الجامعات، ورائحة الطريق والأشجار التي تمتد على الطريق. وصل إلى المدينة ووجدها كما أراد، تحمل ذاكرته التي قضاها في هذا المكان، وكلمّا مرّت فتاة بقربه لا ينظر إليها بل يشتم أنوثتها، وتثار شهوته من عطر بعض النساء النفاذ الذي يملأ رئتيه بقليلٍ من الحب والسعادة الخفيفة.
كان يمشي بلا مبالاة وينظر هنا وهناك، حتى توقف فجأةً،أخذ صديقه يحثه على المضيّ قدماً، ولكنه بقي صامتاً، لا يسمع أحداً، ولا يرى سوى ابتسامة فتاة بعيدة، تتقدم نحوه شيئاً فشيئاً، تتمشى مع صديقتها، واثقة الخطى بجسدٍ ممشوق، بشعرها الذي يركض خلفها، بوجهٍ كالشمس يشّع أملاً. أخذت تمشي على الطريق كغيمة، لا تشعر بها الأرض، كأنها تمشي على قلبه، بدأ بريق عينيها يلمع، بدأ جسدها يكتمل في عينيه، ورائحتها كانت ترقص مع الهواء، رآها تقفز من اللّوحات التي رسمها في غرفته، وتتمشى في الشارع، وكأنها ثارت على غرفته وخرجت، كأنها ثارت على الألوان وعلى الطبيعة، لتمشي واثقةً أمام راسمها، وتقول له انتصرتُ عليك.
وقبل أن تمّر، رمقته بعيونها وابتسمت، وكادت أن تذهب, لولا أنه وقف أمامها بسرعة مانعاً إياها من تخطي حدود عينيه وقلبه, حاول أن يملأ عيناه منها وقال:
أنتِ هيّ، إنها عيناكِ، كيف هربتِ؟، وخرجتِ من اللّوحات؟، لن أدعكِ تهربين الآن، أنتِ التي أرسمكِ كل ليلة، ولا أرسم غيرك، هل رأيتِ مجنون يرسم فتاة قبل أن يراها آلاف المرات؟، وعندما يراها تدعها تذهب؟!.
كان في عينيها أسى، تحاول أن تبتسم في عينيها، ولكن هناك شيء غامض.
-ابتعد أرجوك.
- كيف ابتعد وأنا مسجونٌ فيكِ, وأنا كلما ابتعدتُ أتيتِ، وهربتِ من لوحاتي الكثيرات، لأجدكِ هنا.

أي عقل يستوعب كل هذه المفاجآت، أي جسد يستطيع أن لا ينهار أمامكِ كظل، من قال أن النساء همّ أنصاف عقول قد كذب!، المرأة هي التي تسلب عقولنا لنبقى من دون عقول، نفعل ما يأمرنا به قلبنا، كأننا تحت تنويم مغناطيسي نمشي رويداً رويداً باتجاه بحرٍ من المفاجآت، أتذكر نزار قباني عندما قال :
عشرين ألف امرأةٍ جربت
وما زلت لا أفهم ما يدور برأس النساء

فماذا أقول أنا؟، الذي أجدكِ أمامي، لا أعلم كيف ولا لماذا؟، كيف أجدكِ تخترقين الحلِم وتحولينه إلى واقع لن يستوعبه إلا من عاش لحظة عشقٍ كهذه
قلتُ لها
- أين أذهب؟، عندما يخيرونك بين الجنة والنار، أيهما تختار؟ يبقى الإنسان طول عمره يركع ويصوم ويصلي، حتى يدخل جنة لم يراها، فكيف أنا وأنا أرى الجنة أمامي؟ هل أرمي روحي في النار، لتتحول إلى رماد؟

صمتت، وقالت بجبروت النساء:
- أنا أذهب، سأتزوج قريباً، أرجوك اذهب قبل أن لا أستطيع أن أمسك قلبي أكثر، علمتني الحياة أن أقسو على نفسي، فلهذا دعني

وقف صامتاً والدموع تملأ عيناه، كان يريد أن يقول شيئاً، ولكن غصة ملأت صدره، فلم يستطع أن يقول أي كلمة، ابتلع جرحه كلماته، وأخذ يلملم دموعه بيديه، وذهب في طريقٍ لا تتسع لأكثر من شخص، وحيداً كراية ممزقة، خرجت دولتها من الحرب خاسرة، وحيداً كورقة تساقطت في الخريف، فلم يعد لها معنى، لم يعلم أين يذهب، فظل يمشي، دون اتجاه، وجد نفسه داخل البحر بكامل ملابسه، وهناك صرخ وأخذت تخرج منه الآهات، وحيداً هو والبحر.