الثلاثاء، 11 مايو 2010

على حافة الموت!

ذهبت إلى المشفى لأرى جدة أبي التي تصارع الموت, ذهبت إليها وضحكاتها تتردد إليّ, كان أبي يطمئنني أنّي سأراها, وفي الطريق يشعرنا أبي بتحسنها عن ليلة أمس, كان يكذب ليطمئن جدي فقط!, فقد توقف القلب والحياة عندها لولا صعقات الكهرباء التي أحيتها من الموت!, أحيتها كما تحيي الضوء في المصباح!, ولكنه لم يعطي إلا ضوءاً باهتاًّ!, وجدي الحزين على أمه التي ربته يقول بحزن " لا أمل"!.

دخلت العناية المركزة لأول مرة في حياتي, أبواب كثيرة, وقاعة يغلقها باب كبير, يوجد بها ثلاث أسرّة, دخلت المكان الأكثر أملاً في الموت في المستشفى, ذلك المكان الذي يموت فيه الإنسان أغلب الأحيان, وربما يحيا!, ذلك المكان الذي يضعنا أمام حقيقة الموت!, في السرير الأول كان طفلاً نائم وملئ بالأجهزة والأوكسجين الصناعي يغطي فمه, صوت جهاز القلب كان يدق جدران الغرفة, نظرت إلى الصبي نظرة خاطفة بحزن شديد, وواصلت المشي حتى وجدت رجلاً بالستينات يجلس على السرير ومستيقظاً ويرانا ويرد السلام على جدي بصعوبة ولكنه ملئ بالأجهزة والأسلاك والبرابيش!, السرير الأخير كان لجدتي, كأني لم أعرفها, فلم أكنّ أراها إلا تضحك!, يداها مقيدتان بالسرير كي لا تنزع الأجهزة وتقتل نفسها!, ووجهها كئيب ولا ترى منه إلا القليل, فهو ملئ بأجهزة التنفس وغيرها, وكان فمها مربوطاً أيضاً حتى لا تغلقه على البرابيش التي تتواجد بداخله, أياديها تتحرك في مكانها, وما زالت مُصرة على فك جميع ما فيها!, نظرت إلى شعرها الأبيض المغطى بالحناء, ذلك الشعر أهلكته 97 عاماً!, ومازلت تحنيه!. وفجأة جاء صوت يوقظني من تلك القشعريرة التي سرّت في جسدي " انتي بخير يا حجة, تقلقيش", كان هذا الصوت صوت جدي, قال تلك الكلمات بحزن ليشعرها بالطمئنينة!, لفّت رأسها إليه وحاولت الكلام ولكنها لم تستطع التأوه من الألم حتى!, كانت تريد أن تقول," يا ولدي ضمني إليك, خذني من هنا, خذني إلى بيتي, أحبك يا ولد", ولكنها لم تقل شيئاً جعلها المرض تبتلع الكلمات بداخلها ورغم محاولتها في الكلام إلا أنها فشلت كانت تنظر إليه بحزن ويأس, وعيناها تمتلئان بالدموع, ثم أغمضت عيناها. اقتربت أمي من رأسها ومسكت يدها لتشعرها بالحنان, وقالت " ستي, كيفك يا ستي؟" كان الصوت فيه بحة المرأة التي ستبكي الآن, كنت أعلم أنها ستبكي, وبكت!, وجدتي تنظر إليها ولا تستطيع أن تبتسم!, حزنت جداً, وعيوني رغرغت بالدموع قليلاً, ولكني لم أبكي, تمنيت أن أبكي مثل أمي, ولكن عيوني تأبى أن تبكي الآن!.

لم أقل شيئاً!, ولم أنطق بحرف, اكتفيت بالصمت وبراكين النيران تشتعل بداخلي, آلاف الأسئلة والكلمات تملؤني, كنت أصرخ داخل نفسي, يا الله أين أنت؟, أأنت هنا؟, لماذا لا تأخذها؟, لماذا تعذبها؟, ماذا فعلت لك لتعذبها هكذا!, لماذا لا تريحها من هذا العذاب اللعين, وتأخذها من الموت إلى الموت!, لم تفعل لك شيئاً يضرك!, بل صلت لك كثيراًّ, في أشد أوقاتها ألماً!, كانت تصوم رغم كبرها الإثنين والخميس, وكانت مؤمنة, تنطق اسمك كل لحظة, وفي كل جملة!, أهكذا تكافئها أيها الرحمان؟!!, ستقول لي الجنة؟, أي جنة هذه أيها الجبار أيها الماكر!, تعطيك الحق لتعذيبها هكذا!, لو كنت موجوداً يا الله لمّا كنت سأتردد في صفعك على وجهك!, والآن أنا أكرهك يا الله, لو كنت موجوداً. وأنا أتأكد الآن من عدم وجودك!.

السبت، 17 أبريل 2010

سذاجة!

كل شئ يبدوا جميلاً من بعيد, حتى الحَلوة سيئة الطعم ستبدوا جميلة في غلافها الكاذب!, كل شئ مشوق قبل أن تدخله وتدور به جيداً, لن تجد شيئاً كاملاً لا يجب أن تجهل ذلك!, فلن تجد الفتاة الأجمل في العالم غير نكدية مثلاً, أو أن الأكثر رقاً أكثر جمالاً!. هناك أشياء لا تأتي إلا مرة واحدة, لا تتكرر مع الأيام, تشبه الفرصة التي تطلعك من الجحيم!, أو الفتاة التي تضاجعها حتى الموت!, كل شئ يبدو مثالياُ من الخارج!, كل شئ مصطنع أيها المحترم, لا شئ عادي, أكثر ما يزعجني هو أن أسمع أن هذا اليوم عادي!, هل هو عادي؟, لماذا حكمت عليه وأنت لم تنهه!, غير ذلك, هل سيكون مشابهاً تماماً لما قبله!, لا يوجد شئ عادي, ولا يوجد شئ خارق!, إلا أصوات فتاة تتأوه لتخرق أذنك حتى تقنعك أنها تستمع بك!, والحب فقط هو الذي يخلق آهاتاً طبيعية!, هناك أشياء تأتي بتلقائية من دون تخطيط ومن دون ترتيب أيضاً, ربما تكون أجمل مبعثرة !, أيها المحترم الذي تقرأ كلامي, أنا لست بمحترم!, لأني لن أخبرك ماذا أفعل الآن, وأنا أكتب شئ ربما يعجبك!, في الحقيقة هو سيعجبك داخلياً لأنك إنسان كنت فتاةً أو رجلاً, لا تدع الحقيقة تخدعك!, الحقيقة تخدع أحياناً...
عندما تفرغ كبتك بشكل دائم, لن يدعك هذا لأن تتسكع وحيداً في غرفتك تخاطب نفسك!, أو أن تحزن بدون سبب!, الوحدة قاتلة أحياناً, والسرير الوحيد يشعر ذراعك بالملل فدائماً تصطدم بحافة السرير لا بذراعها!, دائماً تقبل وسادتك أو هاتفك وأنت نائم!, تخيل أن تقبلها هي أو تقبليه هو!!؟, أكثر ما يزعجني هو الأشياء الضرورية أن تحدث للأنسان ولكنها لا تحدث!, ولماذا لأن إنساناً يستمتع بها يمنعها!, هذا اليوم ذكرى ميلادي, لا أحب أن أسميه عيد كما تحبون!, ولا أحب الحفلات التي يفعلها الأصدقاء كما في التلفاز لإقترابك من الموت عام!, هل يفرحون لأنهم عاشوا هذا العام دون موت؟!, هذا اليوم لم يقدني إلا لرائحة الموت!, لأن موتي وميلادي واحد, الغريب هنا أنك لن تحتفل بذكرى موتك" لا عيد موتك!", ولن تكون ذكراه جميلة لغيرك كما ميلادك, رغم أن الإثنتين متشابهان كلاهما يوم وشهر وسنة!, ماذا لو كان الميلاد حزناً والموت فرحاً!, بعكس الحياة!, ألا يوجد حياة عكس حياتنا؟!, كأن يفرحوا عندما يأتي الموت!, أليس أجمل؟, من البكاء الدائم والحزن الدائم على الحب؟, ربما لن تفرح لأنهم لن يبكوك يا محترم, قد تجدني ساذجاً إلا درجة لا توصف, أحترمك إن وصفتني بذلك في عقلك, وجاملتني عندما تحادثني!, لا تجاملني وقل لي أني كنت ساذجاً, أو أن سذاجتي تعجبك!,إلى ذكرى ميلاد ولن أكتب لكم في ذكرى موتي.....

الاثنين، 29 مارس 2010

المرض شئ جميل

مازلت أستمر في مرضي السئ جداً, فلم أشعر أنّي مرضت مثل هذه الأيام, ولا أطول من هذه الأيام, كل ما أفكر به لماذا أمرض؟, ولماذا عليّ أن أمرض أنا بالذات؟, ما فائدة المرض في هذه الحياة اللعينة الجميلة؟, فكرت بالموضوع وأنا أهلوس من شدة الحرارة, وأسناني ترتجف بعنف, وأنام تحت اللحاف السميك وكأنه لم يكن, ربما لو لم أكن أهلوس لما فكرت بهذا الموضوع الذي ربما تافهاً, لماذا لا يموت الإنسان دون مرض!, أتذكر قول محمود درويش في قصيدتي المفضلة - لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي-, " لا أذكر أنّي فرحت يوماً بغير النجاة من الموت", عندما أنجو من ذلك المرض اللعين وأعود لصحتي الطبيعية!, ألن أفرح كم يوم بدون مرض!, إذا كان نهاية المرض تسعدني, مثلما لم تسعدني الحياة البائسة, فإذاً المرض شئ جميل!, بدأت أحب المرض, رغم أني أتعذب كثيراً في هذه الأيام, ولكن مازلت أنتظر نهاية هذا المرض لأصبح إنسان طبيعي مثلكم !, نأتي لموضوع آخر وهو الإمتحانات, لأنّي في فترة إمتحانات لعينة ومرهقة جداً, مهما كانت الإمتحانات صعبة ولكن فرحة التخلص من هذه الإمتحانات والحرية من الكتب الصماء, ألا تفوق صعوبة فترة الإمتحانات؟!, صديق ليّ أخبرني بعد أن أنهى جامعته, قال: أتمنى أن أعود للجامعة فقط لكي أشعر بفرحة ما بعد الامتحانات!!!, هكذا هي الحياة, نفرح جداً بالتخلص من الأشياء المميتة المرهقة!, "وفي النهاية بنحكي منيحة!!".

الأربعاء، 24 فبراير 2010

عاشق سئ حظ أعمى!

لم أكتب شيئاً منذ مدة طويلة, لم أكتب ألماً, لم أكتب عشقاً قد أنتهى, قطارات تنقلنا من عالم إلى آخر ولسنا ندفع غير تذاكر الألم!, إليكي أكتب لأول مرة بلغة مختلفة, بحضور مختلف!, أكثر إحتراماً ربما, وأكثر ألماً, بعيداً عن رسائل الحب العميقة!, قليلاً من بكاء الوداع الحارق!, كنت فيما مضى لا أتخيل نفسي أن لا أشرب قهوة الصباح!, ولكني الآن لا أشربها!, حرمتني القهوة, لأنها تذكرني بك!, القهوة توقظني لذلك لا أريدها!, لو أني أستطيع أن أحضر الكثير من الكونياك الحارق, أو الفودكا الروسية, تسكرني قليلاً لأغيب عن هذا العالم دون وعي أو تفكير بشئ!, هكذا تكون لحظات الوداع, شئ من التردد, شئ من التفكير الممل القاتل, ومن ثم القرار النهائي, كغصة في القلب أو سكين لا فرق!, تتوقف الأيام من جديد ويرجع الوقت أينما كان الألم, ليمشي عداد الألم من جديد, وكأن كل فرحي بحبك جاء ليزيد حجم الألم !, إليكِ قلت أفضل الكلام, أمنت إلى القصائد!!, لماذا أمنت إلى القصائد وأنا أعلم أنها أول من خدعتني!, تلك القصيدة قد انتهت عندنا, خذلنا درويش, أنا دائماً أخذل من أحب!, يا " صديقتي" قد آن أوان الورد أن تقطفه الحياة بكل قسوة, أن يداس بأقبح الأحذية, تلك الأحذية الكبيرة القبيحة, آن للوز أن يتوقف عن الإزهار, وآن للدجاج أن يموت!, وداعاً يا زهرة جاردينيا, يا زهرة ياسمين قطفت على عجل, ستهدى لغيري, وأنا سأترقبها بصمتٍ قاتل!.
هل ستجعلنا الحياة غريبين, كما كنا قبل مليون سنة!, هل سأكره الرقم 12 إلى الأبد, ليصبح رقم حظي السئ!, لأصبح السجين رقم 12!, هل أنا سجين لرقم!, أم سجين قلب حزين!, سأعيش في الظلام مثلما كنت, فكعادتي أكره الضوء, لأنه يعريني يفضحني يقتلني!, شكراً لكي, تذكريني كعابر سرير أمتعكي يوماً وأبكاكي يوماً آخر, دعيني ذكرى متعة لا ذكرة ألم!, فلا أحب أن أكون المؤلم دائماً, لأن من كثر شعوري بالذنب بدأت أكره ذاتي, وأكره نفسي, سحقاً للحياة, ونعم للموت.....
أنا العاشق سئ الحظ, كنت أعرف ذلك, ولكني شككت في نفسي عندما أحببتك!, ولكن حبكي لي كان تأكيداً على أني سئ الحظ!, أنا مستعد الآن لأن أمشي على الجمر, وأعلم أني لن أتألم!, لأن العاشق وحده لا يشعر بألم النار, لأن ألم عشقه يفوق النار كثيراً!...

السبت، 30 يناير 2010

علبة السجائر الأولى

البدايات دائماً صعبة وجميلة, مخيفة وشهية دائماً, ذهبت إلى دكان بعيد لأشتري علبة سجائري الأولى لكي لا يكشفني أحد!, ذهبت سعيداً لأني لن أطلب سجائر من أصدقائي بعد الآن, اشتريتها وضعتها في جيبي وعدّت مسرعاً إلى المنزل لأدخن في غرفتي لأول مرة, خبأت العلبة جيداً, وذهبت لأعدّ القهوة, أعددتها وعدّت إلى شباك نافذتي, ونظرت إلى العلبة التي يسكنها جنين لكي يقززنا من التدخين, ولكن تلك السيجارة الشهيّة تستحق كل ذلك العناء والتقزز أيضاً, فمن سيفكر بالسيجارة لن يفكر بتلك العبارة" التدخين مضر بالصحة ", أشعلت السيجارة على عجل بعدما أغلقت باب غرفتي وذهبت أمام التين والليمون, أمام البرتقال والخوخ, أشعل سيجارتي, ليصبحوا الشاهد الوحيد على سيجارتي وكأس قهوتي!, شعرت بلذة وأنا أدخن سيجارتي الأولى التي اشتريتها بمالي لأول مرة, كأنها تختلف عن تلك السيجارات العابرات, لا أنكر أني لم أكن خائفاً كأي بداية استثنائية في حياتك, أحرقتها كما تحترق رئتي, كنت سعيداً وأنا أشهقها, أتلذلذ بالشذوذ عن القاعدة, كنت أفكر بوردتي البعيدة والقريبة, كنت أتمنى أن نكون أنا وهي تلك السيجارة, مهما نكن المهم أن نكون معاً, فالوطن قد ثمل من تدخيني بعصبية, والحب لم ثمل!, رائحة الدخان والقهوة معاً, تشبه شيئاً من الوطن المسلوب, تشبه شيئاً من رائحة البحر, فكلاهما يضعك أمام نفسك!, أنتظر أن أعيش أنواع السجائر وأميزها, فتلك العصبية وتلك الشهوانية وتلك المجنونة وتلك الكئيبة, فالسيجارة مثلنا يتبدل طعمها ورائحتها من حالة لحالة, لم أكن أعلم أن السجائر تعيش معنا تعبر عنا, تعلمنا الصمت والحب أيضاً, ليس هناك أمتع من الشذوذ والبداية وما أبشع النهايات, فأنا أكره النهايات جداً وأعشق اللانهايات, هذه رحلتي الأولى أحببت أن أدونها لتصبح ذ كرى من عدد السجائر الهائل التي سأدخنها في المستقبل!.

30-1-2010

الثلاثاء، 26 يناير 2010

بدايات لنهاية واحدة

أتحير الآن في بداية لهذا الجنون الاستثنائي...

لا أعلم من أين أبدأ هل أكتب مثلاً " للأشياء جمال خاص في مكانها,فأنا لن أراكي أجمل من أن تكوني بين ذراعي!"

ربما تصلح لبداية استثنائية,هناك الكثير من البدايات تصلح لعشقي,فأنا أستطيع أن أبدأ من أسمك أو من شفتيكِ أو من رسمك أو من جنونك..., هناك الكثير من الأشياء التي أستطيع أن أبدأ بها, ولكن لا أستطيع أن أتخيل سوى نهاية واحدة, هيّ أنكِ لي فقط, فلو تعلمين سعادتي وأنا أسمع منكِ اعترافكِ لي أنكِ لم تشتهي أحداً غيري قبل الآن, كنت أود أن أقول لكي أن شهوتي لم تطأها فتاة غيرك, ولكن هناك غيرك!, ربما أشعر بالذنب حيال ذلك, ولكني كما علمتني يا فتاتي ألا أندم!, أو كما قلتِ لي في رسالتك التي تصلني الآن"فلتقرأ لهيب عشقنا.هكذا بلا خوف أو ندم, ولتكن خطايانا كالليل في غموضه" هذا ما قلته لي الآن, أعلم أني غيّرت في قصدك الذي أفهمه جيداً في أجمل ليلة قضيناها معاً كانت ألبارحة, كانت شهية, مجنونة, مُسكرة, نادرة!, تبادلنا فيها القبل دون حياء ودون تردد لأول مرة, فأذكر كم كنتِ تتعبيني وأنا أطلب منكِ قبلة على شفتي الغليظتين.

يا عشقي الأول يا زهرة تفتحت في غيّر موعدها بشكل استثنائي كحبنا, يا مدينتي الجميلة التي لم أزرها لهذه اللحظة, يا بحري المجنون الذي قرأك دون أن تراه عيناك, عيناكِ أذكرهما الآن بلونهما البنيّ المتقلب كموج البحر, كم توقف الزمن وأنا أنظر إليهما في شغفٍ غريب, في حيرةٍ غريبة, في محاولة لكشف لوحة ما سترسمها يديكِ وتراها عينيك!, لقد أثرتي مخاوفي في شهوتك للرسم, فالرسامين هم الأكثر جنوناً حقاً, فلترسمي سماء مدينتك بغيومها الرمادية شتاءاً, فلترسمي المطر المغرد لحبنا, ولترسمي الجبلين القريبان منكِ, فهما لا يتصافحان إلا في زلزال كبير ليصبحان تراب واحد, لم أكن أعلم أن حبكي كان أقوى زلزال عرفته حتى الآن!, ليجعلني أعترف بكل شهوات جنوني, وأعبر عن حبي بتلك السرعة والجنون في ليلة مجنونة كشتاء ليلي مفاجأ, كعادتي أكره النهايات وأكره أن أكتب نهاية ما أكتبه دائماً وأتحير بها, ولكني سأنهيها بالبداية واللانهاية معاً بحبك, أحبك كما لم يحب أحد في الروايات أحبك.

الاثنين، 18 يناير 2010

أنتظرك دائماً

لم أكن أعلم أن فراقها 13 ساعة صعباً إلى هذا الحد!, أشتاق لكي وأنا أكتب رسالتي هذه, وأريد أن أنتزع نفسي من هذه الصفحة البيضاء لأحادثكي, أنتظركي
هكذا قال محمود درويش!:

بكأس الشراب المرصَّع باللازوردِ

انتظرها،

على بركة الماء حول المساء وزَهْر الكُولُونيا

انتظرها،

بصبر الحصان المُعَدّ لمُنْحَدرات الجبالِ

انتظرها،

بذَوْقِ الأمير الرفيع البديع

انتظرها،

بسبعِ وسائدَ مَحْشُوَّةٍ بالسحابِ الخفيفِ

انتظرها،

بنار البَخُور النسائيِّ ملءَ المكانِ

انتظرها،

ولا تتعجَّلْ، فإن أقبلَتْ بعد موعدها

فانتظرها،

وإن أقبلتْ قبل وعدها

فانتظرها،

ولا تُجْفِل الطيرَ فوق جدائلها

وانتظرها،

لتجلس مرتاحةً كالحديقة في أَوْج زِينَتِها

وانتظرها،

لكي تتنفَّسَ هذا الهواء الغريبَ على قلبها

وانتظرها،

لترفع عن ساقها ثَوْبَها غيمةً غيمةً

وانتظرها،

وقدَّمْ لها الماءَ قبل النبيذِ ولا تتطلَّع إلى تَوْأَمَيْ حَجَلٍ نائمين على صدرها

وانتظرها،

ومُسَّ على مَهَل يَدَها عندما تَضَعُ الكأسَ فوق الرخامِ

كأنَّكَ تحملُ عنها الندى

وانتظرها،

تحدَّثْ إليها كما يتحدَّثُ نايٌ إلى وَتَرٍ خائفٍ في الكمانِ

كأنكما شاهدانِ على ما يُعِدُّ غَدٌ لكما

وانتظرها،

ولَمِّع لها لَيْلَها خاتماً خاتماً

وانتظرها

إلى أَن يقولَ لَكَ الليلُ:

لم يَبْقَ غيركُما في الوجودِ

فخُذْها، بِرِفْقٍ، إلى موتكَ المُشْتَهى

وانتظرها!


الأحد، 10 يناير 2010

لا أريد لهذه القصيدة ان تنتهي " محمود درويش

لا اريد لهذه القصيدة ان تنتهي

يقولُ لها، وهما ينظران الى وردةٍ
تجرحُ الحائطَ: اقتربَ الموتُ منِّي قليلاً
فقلتُ له: كان ليلي طويلاً
فلا تحجب الشمسَ عنّي!
وأهديتُهُ وردةً مثل تلك…
فأدَّى تحِّيَته العسكرية للغيبِ،
ثم استدارَ وقالَ:
اذا ما أردتك يوماً وجدُتك
فاذهبْ!
ذهبتُ…
انا قادمٌ من هناك
سمعتُ هسيسَ القيامةَِ، لكنني
لم أكن جاهزاً لطقوس التناسخ بعد،
فقد يُنشد الذئب أغنيتي شامخاً
وانا واقفٌ، قرب نفسي، على اربعٍ
هل يصدقني أحد إن صرختُ هناك:
أنا لا أنا
وأنا لا هُو؟
لم تلدني الذئابُ ولا الخيل…
اني خُلقتُ على صورةِ الله
ثمّ مُسختُ الى كائنٍ لُغويّ
وسمّيت آلهتي
واحداً
واحداً،
هل يصدِّقني احد إن صرختُ هناك:
انا ابن أبي، وابن أمي… ونفسي
وقالت: أفي مثل هذا النهار الفتّي الوسيم
تفكِّر في تبِِعات القيامةِ؟
قال: اذن، حدِّثيني عن الزمن
الذهبي القديم
فهل كنتُ طفلاً كما تدّعي امهاتي
الكثيرات؟ هل كان وجهي دليل
الملائكةِ الطيّبين الى الله،
لا أتذكّر… لا أتذكّر أني فرحتُ
بغير النجاة من الموت!
من قال: حيث تكون الطفولةُ
تغتسل الأبدية في النهر… زرقاء؟
فلتأخذيني الى النهر/
قالت: سيأتي الى ليلك النهر
حين أضُمُّك
يأتي الى ليلك النهر/
اين أنا الآن؟ لو لم ارَ الشمسَ
شمسينِ بين يديكِ، لصدّقتُ
أنكِ احدى صفات الخيال المروَّض
لولا هبوبُ الفراشات من فجر غمّازتيك
لصدّقتُ أنّي اناديكِ باسمك
ليس المكان البعيد هو اللامكان
وانتِ تقولين:
“لا تسكن اسمك”
“لا تهجر اسمك”!
ها نحن نروي ونروي بسرديّة
لا غنائيةٍ سيرةَ الحالمين، ونسخرُ مما
يحلّ بنا حين نقرأ ابراجَنا،
بينما يتطفّلُ عابر دربٍ ويسأل:
اين انا؟ فنطيل التأمّل في شجر الجوْز
من حولنا، ونقول له:
ههنا. ههنا. ونعود الى فكرة الأبدية! ليس المكان هو الفخ…
مقهى صغير على طرف الشارعِ
الشارعِ الواسع
الشارع المتسارع مثل القطارات
تنقل سكانها من مكان لآخر…
مقهى صغير على طرف الشارع
الشارع الواسع
الأسطوانة لا تتوقف- قالت له
قال: بعد دقائق نخرج من ركننا
الى الشارع الواسع المتسارع
مثل القطارات،
ثم يجيء غريبان، مثلي ومثلك،
قد يكملان الحديثَ عن الفنّ،
عن شهواتِ بيكاسو ودالي
وأوجاعِ فان غوغ والآخرين…
وعمّا سيبقى من الحب بعد الاجازة،
قد يسألان: أفي وُسْع ذاكرةٍ
ان تعيد الى جسدٍ شحنةَ الكهرباء؟
وهل نستطيع استعادةَ إحساسنا
بالرطوبة والملح في أوَّل البحر
بعد الرجوع من الصيف؟/
ليس المكان هو الفخ
في وسعنا ان نقول:
لنا شارعٌ ههُنا
وبريدٌ
وبائعُ خبزٍ
ومغسلةٌ للثياب
وحانوتُ تبغٍ وخمر
وركنٌ صغير
ورائحةٌ تتذكّر/
ها نحنُ نشربُ قهوتَنا بهدوءِ أميرينِ
لا يملكان الطواويس، انتِ أميرةُ نفسِك
سلطانةُ البر والبحر، من أخمص القدمين
الى حيرةِ الريحِ في خصلة الشعر.
في ضوء يأسكِ من عودة الأمسِ
تستنطقين حياةً بديهيةً. وبلا حرسٍ
تحرسين ممالكَ سريَّةً. وأنا، في
ضيافةِ هذا النهار، اميرٌ على حصَّتي
من رصيفِ الخريفِ. وأنسى مَن المُتّكلِّمُ
فينا لفرطِ التشابه بين الغيابِ وبين
الإيابِ اذا اجتمعا في نواحي الكمنجات
لا أتذكّر قلبي الا اذا شقَّهُ الحبُّ
نصفين، او جفَّ من عطش الحب،
او تركتني على ضفة النهر احدى صفاتك!
ضيفاً على لحظة عابرةْ
اتشبّثُ بالصحو،
لا امسَ حولي وحولك
لا ذاكرة،
فلتكن مَعْنوياتُنا عالية
عصافيرُ زرقاءُ، حمراءُ، صفراءُ، ترتشف
الماءَ من غيمةٍ تتباطأ حين تُطلُّ على
كتفيكِ. وهذا النهار شفيفٌ خفيفٌ
بهيٌّ شهيٌّ، رضيٌّ بزواره، انثوّيٌّ،
بريءٌ جريءٌ كزيتون عينيك. لا شيءَ
يبتعد اليوم ما دام هذا النهارُ
يرحِّب بي، ههنا يُولَدُ الحبُّ
والرغبةُ التوأمان، ونولدُ… ماذا
أريد من الأمس؟ ماذا أريد من
الغد؟ ما دام لي حاضرٌ يافعٌ أستطيع
زيارةَ نفسي، ذهاباً إياباً، كأني
كأني. وما دام لي حاضرٌ استطيعُ
صناعةَ امسي كما أشتهي، لا كما
كان. إني كأني. وما دام لي
حاضرٌ استطيع اشتقاقَ غدي من
سماءٍ تحنُّ الى الأرض ما بين
حربٍ وحرب، وإني لأني!
تقول: كأنكَ تكتبُ شعراً
يقول: أُتابع إيقاعَ دورتي
الدمويةِ في لغة الشعراء. أنا،
مثلاً، لم أُحبَّ فتاةً معينةً
عندما قلتُ اني احبُّ فتاةً، ولكنني
قد تخيَّلتُها: ذاتَ عينين لوزيتين،
وشَعرٍ كنهر السواد يسيل على
الكتفين، ورُمَّانتين على طبق مرمريّ.
تخيلتها لا لشيء، ولكن لأُسمعها
شعرَ بابلو نيرودا، كأني أنا هو،
فالشعر كالوهم/
ليس المكان هو الفخّ
لم أنتظرْكِ لتنتظريني، فمثلُك منْ
يأمر الحُلْم بالانتظارِ الطويلِ على
ركبتيها. خذيني الى اللامكان المُعَدِّ
لأمثالنا الضالعين بتأويل ذاكرة الغيم
بين الربيع وبين الخريف، وأمّا
الربيعُ، فما يكتب الشعراء اذا نجحوا
في التقاط المكان السريع بصُنّارة
الكلمات. وأما الخريف، فما نحن فيه
من الاهتداء برائحة الشجر العاطفيّ
وبحث الغريبة في كلمات الغريب عن
اسم الحنين… وعَن شَبهٍ غائمٍ
في ثنائية الشعر والنثر. لا النثرُ نثرٌ
ولا الشعرُ شعرٌ اذا ما همستِ:
احبكَ! او قالت امرأةٌ في القطار
لشخصٍ غريبٍ، أعنِّي على
نحلةٍ بين نهديّ… او قال شخصٌ كسولٌ
لإسكندر الأمبراطور: لا تحجب
الشمسَ عني. ولكنني اذ أُغنِّي،
أُغنّي لكي أُُغري بالموت بالموت/
ليس المكانُ هو الفخ
ما دمتِ تبتسمين ولا تأبهين
بطول الطريق… خذيني كما تشتهين
يداً بيدٍ، او صدىً للصدى، او سدى.
لا أريدُ لهذي القصيدة ان تنتهي ابداً
لا أريد لها هدفاً واضحاً
لا أريد لها ان تكون خريطةَ منفى
ولا بلداً
لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي
بالختام السعيد، ولا بالردى
أريدُ لها ان تكون كما تشتهي ان
تكون:
قصيدةَ غيري. قصيدةَ ضدي. قصيدةَ
ندِّي…
أريد لها ان تكونَ صلاةَ أخي وعدوّي.
كأن المخاطبَ فيها أنا الغائبُ المتكلم فيها.
كأنَّ الصدى جسدي. وكأني أنا
أنتِ، او غيرُنا. وكأني أنا آخري!
كي أوسِّعَ هذا المدى
كان لا بُدَّ لي:
- من سنونوة ثانية
- وخروج على القافية
- وانتباه الى سعة الهاويةْ
لا أريد لهذي القصيدة ان تنتهي
لا أريد لهذا النهار الخريفي ان ينتهي
دون ان نتأكَّد من صحة الأبدية.
في وسعنا أن نحبَّ،
وفي وسعنا أن نتخيّل انّا نحبُّ
لكي نُرجئَ الانتحار، اذا كان لا بدَّ منه،
الى موعد آخر…
لن نموتَ هنا الآن، في مثل
هذا النهار الزفافيّ، فامتلئي
بيقين الظهيرة، وامتلئي واملئيني
بنور البصيرة/
ينبئني هذا النهارُ الخريفيُّ
أنّا سنمشي على طرق لم يطأها
غريبان قبلي وقبلَك الا ليحترقا
في البخور الالهي.
ينبئني أننا سوف نسمعُ طيراً تغني
على قدر حاجتنا للغناء… خفيفاً
خفيَّ التباريح، لا رعوياً ولا وطنياً
فلا نتذكّر شيئاً فقدناه/
ان الزمان هو الفخ
قالت: الى أين تأخذني؟
قال: لو كنتِ اصغرَ من رحلتي
هذه، لأكتفيتُُ بتحوير آخر فصل
من المشهد الهوميري… وقلتُ:
سريرُك سرّي وسرُّك،
ماضيك يأتي غداً
على نجمة لا تصيب الندى
بأذى،
أنام وتستيقظين فلا انت مُلتفَّةٌ
بذراعي، ولا أنا زُنّار خصرك،
لن تعرفيني
لأن الزمان يُشيخ الصدى
وما زلتُ أمشي… وأمشي
وما زلتِ تنتظرين بريدَ المدى
أنا هو، لا تُغلقي بابَ بيتك
ولا ترجعيني الى البحر، يا امرأتي، زبدا
انا هُوَ، منْ كان عبداً
لمسقط رأسك… او سيّدا
انا هو بين يديك كما خلَقتْني
يداكِ، ولم اتزوَّج سواكِ
ولم أُشفَ منك، ومن نُدبتي ابداً
وقد راودتني آلهاتُ كل البحار سدى
أنا هو، من تفرطين له الوقت
في كُرة الصوف،
ضلَّ الطريقَ الى البيت… ثم اهتدى
سريرُك، ذاك المخبّأُ في جذع زيتونة
هو سرِّي وسرُّك…
قالت له: قد تزوَّجَني يا غريبُ
غريبٌ سواك
فلا جذع زيتونة ههنا
او سرير،
لأن الزمان هو الفخ/
ينبئُني ضوءُ هذا النهار الخريفيّ
أني رأيتكِ من قبل، تمشين حافيةَ
القدمين على لغتي، قلت: سيري
ببطءٍ على العشب، سيري ببطءٍ
لكي يتنفَّسَ منك ويخضرّ. والوقت
منشغلٌ عنك…سيري ببطءٍ لأُمسك
حلمي بكلتا يديّ. رأيتك من قبلُ
حنطيّةً كأغاني الحصاد وقد دلّكتها
السنابل، سمراءَ من سهر الليالي،
بيضاءَ من فرط ما ضحك الماءُ حين
اقتربتِ من النبع. سيري ببطءٍ،
فأنّى مشيتِ ترعرعت الذكرياتُ حقولاً
من الهندباء، رأيتك من قبلُ في
الزمن الرعويّ
على قدر ليل الغريب
تنامُ الغريبةُ/
فاحتجبي، واظهري، والعبي، واكسري
قدري بيديك الحريريتين، ولا تخبريني
الى أين تمضين بي في دهاليز سرِّك،
لا تخبريني الى أين تمضين بعدي
الى أين أذهبُ بعدَك. لا بعد
بعدك. ولنعتنِ الآن بالوردة الليلكية
ولتُكمل الأبديةُ أشغالَنا دوننا،
إن أطلنا الوقوف على النهر او
لم نُطل. سوف نحيا بقية هذا
النهار. سنحيا ونحيا. وفي الليلِ،
ان هبط الليل، حين تنامين فيّ
كروحي، سأصحو بطيئاً على وَقْع
حلم قديم، سأصحو واكتب مرثيتي.
هادئاَ هادئاً. وأرى كيف عشتُ
طويلاً على الجسر قرب القيامة، وحدي
وحراً. فإن أعجبتْني مرثيتي دون
وزن وقافية نمت فيها ومتُّ
والا تقمصت شخصيةَ الغجريّ
المهاجر:
جيتارتي فرسي
في الطريق الذي لا يؤدي
الى أيّ أندلسِ
سوف أرضى بحظّ الطيورِ وحريةِ
الريح. قلبي الجريح هو الكون.
والكون قلبي الفسيح. تعالي معي
لنزورَ الحياةَ، ونذهبَ حيث أقمنا
خياماً من السّرو والخيزران على
ساحل الأبدية. ان الحياة هي اسم
كبير لنصر صغير على موتنا. والحياة
هي اسمك يطفو هلالاً من اللازورد
على العدم الأبيض، استيقظي وانهضي،
لن نموتَ هنا الآن، فالموت حادثةٌ
وقعت في بداية هذي القصيدة، حيث
التقيتُ بموت صغير وأهديته وردة،
فانحنى باحترام وقال: اذا ما أردتك
يوماً وجدتك/
فلنتدرب على حُبِّ أشياءٍ ليست
لنا، ولنا… لو نظرنا اليها معاً من علٍ
كسقوط الثلوج على جبلٍ
سيغنّي لك الغجري، كما لم يغنِّ:
أقولُ لها
لن أُبدِّلَ أوتارَ جيتارتي
لن أبدّلها
لن أحمّلها فوق طاقتها
لن أحمّلها
لن أقولَ لها
غير ما تشتهي ان أقول لها
حملتني لأحملها
لن أبدِّل أوتارَها
لن أبدّلَها
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي
لا أريد لهذا النهار الخريفي أن ينتهي

إلى شاعر شاب.. محمود درويش

لا تصدّقْ خلاصاتنا، وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أوّل من يكتب الشعر،
أو آخر الشعراء!
إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتداداً
لأهوائنا،
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء.

لا تسل أحداً: منْ أنا؟
أنت تعرف أمّك..
أمّا أبوك... فأنت!

الحقيقة بيضاء. فاكتبْ عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!

إن أردت مبارزة النسر
حلّق مَعَهْ
إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْ

الحياةُ أقلّ حياة،
ولكننا لا نفكّر بالأمر،
حرصاً على صحّة العاطفةْ

إن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!

أنت مثلي، ولكنّ هاويتي واضحة
ولك الطرق اللانهائية السرِّ،
نازلة صاعدة!

قد نُسمّي نضوبَ الفتوة نضجَ المهارة
أو حكمةً
إنها حكمةٌ، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائيّة الباردة

ألفُ عصفورة في يدٍ
لا تعادل عصفورةً واحدة
ترتدي الشجرة!

القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!

المثالُ عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدى

للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردة

شُذَّ، شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ
لتكتمل النشوة الصاعدة

لا تصدّق صواب تعاليمنا
لا تصدّق سوى أثر القافلة
الخُلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلة

كن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْ

الطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهلٌ ومرتفعات، ونهرٌ ومنخفضات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبق
أو المشنقة!

لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهنّ
أخاف عليك من الكاميرات الخفيّات
في سُرَر المطربات

لن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُ

الوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملٌ

لا تفكّر، وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة... والفراشات تكملها

لا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام

محمود درويش

السبت، 2 يناير 2010

أنا العاشق سئ الحظ



أنا العاشق سئ الحظ
نرجسة لي وأخرى علي

أمرّ على ساحل الحب. ألقي السلام
سريعاً. وأكتب فوق جناح الحمام
رسائل مني إلي.

كم امرأة مزقتني
كما مزق الطفل غيمه
فلم أتألم ، ولم أتعلم . ولم أحم نجمه
من الغيم خلف السياج القصيّ.

أمرّ على الحب كالغيم في خاتم الشجره
ولا سقف لي، لا مطر
أمر كما يعبر الظل فوق الحجر
وأسحب نفسي من جسد لم أره
وأحمل قلبي قميصاً على كتفيّ

أخاف الرجوع الى أي ليل عرفته
أخاف العيون التي تستطيع اختراق ضفافي
فقد تبصر القلب حافي
أخاف اعترافي
بأني أخاف الرجوع الى أيّ صدر شربته
فألقي بنفسي في البئر .. فيّ.

أنا العاشق السئ الحظ. قلت كلاماً كثيرا
وسهلاً عن القمح حين يفرّخ فينا السنونو
وقلت نبيذ النعاس الذي لم تقله العيون
ووزعت قلبي على الطير حتى يحط وحتى يطيرا
وقلت كلاماً لألعب. قلت كلاماً كثيرا
عن الحب كي لا أحب . وأحمي الذي سيكون
من اليأس بين يديّ

وياحب ، يامن يسمونه الحب، من أنت حتى تعذب هذا الهواء
وتدفع سيدة في الثلاثين من عمرها للجنون
وتجعلني حارساً للرخام الذي سال من قدميها سماء؟
وما اسمك يا حب، مااسم البعيد المعلق تحت جفوني
ومااسم البلاد التي خيمت في خطى امرأة جنّةً للبكاء
ومن أنت يا سيدي الحب حتى نطيع نواياك أو نشتهي
أن نكون ضحاياك؟
إياك أعبد حتى أراك الملاك الأخير على راحتي

أنا العاشق السئ الحظ.نامي لأتبع رؤياك، نامي
ليهرب ماضيّ مما تخافين. نامي لأنساك. نامي لأنسى مقامي
على أول القمح في أول الحقل في أول الأرض . نامي
لأعرف أني أحبك أكثر مما أحبك . نامي
لأدخل دغل الشعيرات في جسد من هديل الحمام
ونامي لأعرف في أي ملح أموت ، وفي أي شهد سأبعث حيا
ونامي لأحصي السموات فيك وشكل النباتات فيك.وأحصي يديّا
ونامي لأحفر مجرى لروحي التي هربت من كلامي
وحطت على ركبتيك.. لتبكي عليّ

أحبّ، أحبّ، أحبك. لا استطيع الرجوع الى أول البحر
لا أستطيع الذهاب الى آخر البحر. قولي
الى أين يأخذني البحر في شهوتك
وكم مرة سوف تصحو الوحوش الصغيرة في صرختك؟
خذيني لآخذ قوت الحجل
وتوت زحل
على حجر البرق في ركبتيك.
أحبّ، أحبّ، أحبك . لكنني لا أريد الرحيل على موجتك
دعيني ، اتركيني ، كما يترك البحر أصدافه
على شاطئ العزلة الأزلي
أنا العاشق السئ الحظ لا أستطيع الذهاب إليك. ولا أستطيع الرجوع إليّ.

محمود درويش